السبت، 14 مارس 2009

اليمن عارية في مراسلات كونت سويدي


ماجد المذحجي
يؤرخ الدكتور محمد عبدالقادر بافقيه بحساسية عالية تعقيدات البيئة اليمنية أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، في علاقاتها المتداخلة مع المركز الأوروبي الذي حضر بكثافة عبر المستشرقين الأوروبيين حينها في كتابة المهم "المستشرقون وآثار اليمن"، وهو عمل مرجعي نوعي يرصد ويحلل مادة مراسلات الكونت كارلو دي لندبرج مع عدد من الوسطاء اليمنيين النشطين في شبكة تهريب الآثار والمخطوطات وتدوين الزوامل واللهجات المحلية في تلك الفترة.
لندبرج مستشرق سويدي ينتمي للجيل الثالث من المستشرقين الأوروبيين، وكان القنصل العام والوكيل السياسي السابق لمملكة السويد والنرويج في الإسكندرية. بعد انتهاء مهمته بعام، في 1894، ذهب إلى الشام لتعنّ له من هناك فكرة الذهاب إلى الحبشة، لكن تحول الظروف حال دون تحقيق ذلك فوجه طريقة نحو ميناء عدن الذي وصله في ديسمبر عام 1894. لتمتد علاقته باليمن عقب ذلك حتى العام 1911 ويصبح أحد أهم علماء النقوش اليمنية، وأحد أبرز الذين لعبوا دوراً في تجارة الآثار والمخطوطات اليمنية في ذلك الزمن.
المادة الضخمة للمراسلات المتعددة بين عمر السويدي، الاسم العربي الذي اتخذه الكونت حين تطلع للتوغل في المناطق الداخلية لليمن في تلك الفترة، واليمنيين تبني صورة واضحة للفعالية البريطانية النشيطة في عدن وبدء تمددها للداخل اليمني، حيث يحظر بكثافة في المراسلات اسم وايمان بري المغامر البريطاني المعروف الذي اتخذ اسم عبدالله منصور، وتحضر أيضاً تفاصيل الرحلة التي قام التي قام بها لندبرج برفقة "الوالي" البريطاني على متن سفينة تجولت على المدن الساحلية على امتداد الجنوب وصولاً إلى المكلا، وهو ما شكل خروجاً غير معتاد حينها عن التمركز "العدني"، ومؤشراً على بدء التحول في السياسة البريطانية المنكفئة عن جوار عدن تجاه ما عرفت بالمحميات لاحقاً. علاوة على ذلك أوضحت المراسلات ضمنياً الآليات المتعددة التي تكونت في إطارها شبكة "تسريب" واسع للآثار والمخطوطات اليمنية في ملتقى القرنين، استفادت من التسهيل الضمني من الإدارة البريطانية في عدن، وإتاحة تلك المدينة لصاحب "أي غرض" الاتصال بقلب العالم آنذاك في أوروبا. كما تفصح مراسلات لندبرج مع وسطائه المحليين، التي قام بافقيه بتحقيقها وشرحها والتعليق عليها بكفاءة علمية وتاريخية فريدة ومتميزة، قراءة التعقيدات التي رافقت الوصول للمخطوطات والآثار ونقلها من مناطق القبائل والسلطنات، ووسائل التسوية التي يتم اللجوء لها من قبل هؤلاء الوسطاء للنجاح في ذلك مع "العقال" والمشايخ كما يخبرون فيها الكونت في رسائلهم المختلفة، وهو ما يشكل مادة مهمة في قراءة البيئة الاجتماعية والسياسية لجنوب اليمن في تلك الفترة، والتي احتضنت هذه العملية النشطة التي لا يمكن قصرها دلالتها على تهريب الآثار فقط، بل لكون هذا الشكل من الاتصال أتاح ضمن مستويات متعددة توسيع الدور البريطاني خارج عدن، خصوصاً في علاقة ذلك مع متغيرين مهمين في شمال اليمن آنذاك، وهما الأتراك، والنشاط المتزايد للإمام "الزيدي" الذي بدأ يثير قلق السلاطين والشيوخ ويلفت انتباه البريطانيين أيضاً.
الكتاب الصادر من مركز الدراسات والبحوث اليمني عام 1988 في جزأين، استغرق من الدكتور محمد عبدالقادر بافقيه أكثر من عام لإنجازه، وهو الأمر الذي تم فعلاً في العام 1987. لقد كان ذلك مدة أطول من المتوقع حسب قول المؤلف في مقدمة العمل. تضمن الجزء الأول من الكتاب تمهيدا من أمتع ما يكون يخص "أصحاب الرسائل"، استغرق فيه بافقيه بشكل أساسي في تقديم سيرة الكونت لندبرج، ليتفحص النموذج الشخصي والمعرفي له عبر قراءة واسعة لأدواره التي لعبها والعلاقات التي أنشأها، متعرضاً للطموح "الملكي" السويدي في منافسة فرنسا بخصوص تبني علوم الاستشراق التي كان "خطها الاستوائي يمر بباريس" في حينها، ومتعرضاً أيضاً لطموحات لندبرج الشخصية المتعددة، ولإنجازه العلمي، وللمنافسة اللدودة التي ميزت علاقته مع المستشرقين الآخرين الذين اهتموا باليمن ونافسوه على مخطوطاتها وآثارها. ليتسع التمهيد ويشمل مرزق الحجار وعددا من الشخصيات اليمنية التي تراسل معها الكونت، فيقدم معلومات مختلفة عن كل شخص بناء على ما توفر عنه سواء من مادة المراسلات أم من خارجها، دون أن يتوقف ذلك على سرد محايد ومحدود، ليتحسس بافقيه خارطة الوضع اليمني المعقد آنذاك عبر قراءة وسرد معلومات عن مواقعهم الاجتماعية، وطبيعة أنشطتهم، والتعقيدات السياسية والاقتصادية والثقافية التي قدموا منها، والتي أدت إلى قيامهم بأدوار مختلفة، كلاًّ حسب أهميته، في العلاقة مع الكونت السويدي، وفي النشاط الواسع الذي ميز تهريب المخطوطات والآثار اليمنية حينها.
تطال موضوعات المراسلات بين الكونت واليمنيين حقولا عدة، وهي ترصد طبيعة ومستويات العلاقة التي تربطه مع العديد من الشخصيات اليمنية الذين قاموا بلعب أدوار مهمة في تلبية مطالبه مثل جمع الزوامل من البدو، أو تدوين اللهجات المحلية، علاوة على المطلب الأهم بالنسبة للندبرج وهو الحصول على المخطوطات ونقل الآثار والنقوش إليه. كما تكشف الرسائل العلاقات بين هذه الشخصيات وتحولات العلاقة مع مرور الوقت بين مرزق والهتاري والمذحجي والبريطاني بري، علاوة على العلاقة مع السلاطين في المناطق التي يذهب لها هؤلاء كمرسلين من لندبرج، وعلاقات هؤلاء فيما بينهم ومحاولتهم الاستفادة من أي صلات مع "أجنبي" للحصول على مساعدة في إطار صراعات النفوذ وتعزيز السلطة في مناطقهم. كما أن الرسائل تكشف الجهود المبذولة لتنفيذ مسوح ورسم خرائط تفصيلية عن "البر الداخلي" اليمني بالاستعانة بشكل رئيسي بالمغامر البريطاني بري، بما لذلك من أهمية نوعية يتداخل فيها العلمي بالسياسي حينها. كما أن بعض "الشكايات" في الرسائل التي كان يوظفها الوسطاء اليمنيون المذكورون بغرض "استدرار عطف" لندبرج وطلب المزيد المال منه، ترصد الأوضاع الاقتصادية في اليمن حينها وتأثرها بالظروف المختلفة حينها، مثل أحد مواسم القحط في اليمن التي حدثت في تلك الفترة والتي أدت إلى نزول البدو بكثافة إلى عدن. علاوة على امتداد القحط إلى الصومال في مرحلة لاحقة، وهو ما أدى إلى نقص في عدد المواشي وبالتالي ارتفاع أسعار اللحوم، حيث "سعر الرطل، من أردأ أنواع اللحم، قد بلغ في عدن ستة آنات".
نشرت في صحيفة النداء

الجمعة، 20 فبراير 2009

قانون المعلومات: ضمير مستتر تقديره "حماية الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي والجبهة الداخلية"!


ماجد المذحجي
في منتصف 2007 أقرت الحكومة اليمنية تقديم مشروع "قانون حماية الوحدة الوطنية والجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي" بغرض إحالته للمصادقة عليه في مجلس النواب، حيث تمتلك كتلة برلمانية مريحة تتيح لها المضي بالأمر فعلياً. قبل تحقق ذلك السيناريو قوبل هذا المشروع برد فعل عنيف من الصحافة ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية، حيث سيعني تحول ذلك المشروع إلى قانون نافذ توسيع الصلاحيات الأمنية وتحويلها إلى متسلط حقيقي، ومنحها أصلا قانونيا فضفاضا يتيح تأويل كل ما لا يروق الحاكم باعتباره عملا ضد الوحدة الوطنية، أو يفكك الجبهة الداخلية مثلاً. وبعد تصاعد الاحتجاج والرفض الداخلي الشديد لمشروع القانون، وجهت الضربة القاضية له من قبل المانحين، وتم تداول حديث عن تقريع عنيف وجهته الإدارة الأمريكية للوزير "الرصَّاص" أثناء قيامه بزيارة للولايات المتحدة في ذلك الحين.
المشروع السابق كان سيتيح تحويل اليمن ببساطة إلى دولة أمنية بملامح عارية، تتحكم فيها الدوائر الاستخبارية بتفسير كل ممارسة سياسية ومدنية، وتأويل كل رأي يطرح في الشأن العام، باعتباره فعلا يهدد الوحدة الوطنية والجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي، وبالتالي قمعها!
الفشل السابق لم يؤدِّ بالضرورة إلى توقف السعي في الأمر، ولكن الآن عبر إعادة مجموعة متصرف بها من نصوصه في إطار المشروع الجديد للمعلومات الذي دفعت به الحكومة مؤخراً إلى مجلس النواب، حيث تسهل قراءة المخاوف الأمنية ذاتها والرغبة بالسيطرة على المعلومات في المشروع الجديد أكثر من ضمان الحق في الحصول عليها.
تنفتح العلاقة بين المشروعين ضمن المستوى العقابي الذي يتسم بصرامة شديدة في التعامل مع نشر المعلومات والحصول عليها أو "السعي للحصول عليها"، أو الحصول عليها واستخدامها في الإضرار بـ"أمن وسلامة واستقرار المجتمع" في المشروع الجديد، أو نشر معلومات أو مقالات تعتبر "مُغرضة وتهدد السلام الداخلي والوحدة الوطنية" أو المساس بـ"الثوابت الوطنية" في المشروع (الحمائي) القديم! الفارق في هذا الشأن بين المشروعين أن الحد الأدنى في القانون الجديد بما يخص هذه "الجرائم" هو سنتان في بعض المواد، و4 أو6 سنوات في مواد أخرى، مع جعل السقف تقديرياً ومفتوحاً، بينما المشروع القديم كان متواضعاً أكثر وكان الحد الأدنى فيه عام، لكن مع رفع الحد الأعلى حتى الـ15 سنة.
تستجيب بنية المشروع الجديد للهواجس الأمنية تجاه الأداء الصحفي وأداء المنظمات المدنية والأنشطة الاحتجاجية للمتضررين من السياسات الحكومية والأمنية، ومختلف الفعاليات المعارضة، حيث ترغب بتشريع الممارسات القمعية، وإيجاد ذرائع قانونية لمصادرة الحق الضمني الذي يتوفر عليه المجتمع في نقد السياسات الحكومية والأمنية، والحصول على المعلومات، وممارسة النشاط العام بأجندة مختلفة عن الاجندة الرسمية.
إن نصوص المشروع تقيد حقوقاً قائمة ضمنياً في الحصول على المعلومات والتعامل بها. وهي ترفع اللهجة الرسمية ضد الحق الأصيل للمواطنين في معرفة ما يدور في هذه البلاد.
تتسم نصوص مشروع القانون الجديد بكونها فضفاضة، خصوصاً في الفصل الخامس المتعلق بالاستثناءات، حيث تتسع صياغة المواد في هذا الفصل بما يمنح فرصة لعملية تأويل واسعة لمضمونها، فلا تحديد واضح مثلاً لنوع وطبيعة المعلومات التي يؤدي "نشرها والإفشاء بها إلى الإضرار بالأمن القومي"، كما ورد في البند (أ) من المادة (32)، وهو ما يجعلها مفتوحة للغاية، باعتبارها ليست معلومات عسكرية من تلك التي يتعلق بها تحديداً البند (ج) في المادة نفسها، وهو ما يجعل نطاق الأمن القومي أيضاً، الذي يمكن أن تمسه المعلومات، غير معلوم أو معرف بدقة.
طبعاً هذه الصيغة الفضفاضة هي التي جعلت كل معلومة "بدون أي تحديد أبداً لنوع وطبيعة هذه المعلومات" يحتفظ بها رئيس الجمهورية ضمن هذا الاستثناء الذي لا يجب الاقتراب منه.
طبعاً تحظى المعلومات التي تخص "الأمن الداخلي والسلام الاجتماعي والوحدة الوطنية"، لا أعلم لماذا تم استثناء "الثوابت الوطنية"، العبارة الرسمية الأثيرة، بتنويه خاص ضمن الاستثناءات في البند (د). طبعاً مع عدم وجود مرجعية تستطيع تعريف ما هو "الأمن الداخلي" والفارق بينه وبين "القومي" مثلاً، وماذا يُعنى بـ"السلام الاجتماعي"، ومتى يُمكن وصفه بكونه مُهددا أم لا، علاوة على "الوحدة الوطنية" بالطبع، التي يوجد تصور أمني واحد لمعناها لا يستوعب تعريف الأطراف الأخرى لها في المجتمع، هذا إذا لم ندخل في محاولة توصيف نوعية المعلومات التي يُمكن أن تهدد "الأمن، والسلام، والوحدة"، ومتى يُمكن أن تشكل تهديداً بالطبع!
إنها مواد مفتوحة للغاية يُمكن أن توظف في استهداف أي رأي أو نشاط عام لا يستجيب للتصورات الرسمية التي تدير البلد، مما يجعل الحياة العامة في حالة طوارئ غير معلنة، نخضع فيها لممارسات أمنية مخيفة، تستند إلى قانون مطاط يُفسر حسب الهوى أي حصول على المعلومات ونشرها، باعتباره شكلا عدائيا، ويستبق كل ذلك بمعاقبة من سعى للحصول على معلومات يفترض أنها محظورة ضمن التحديدات الفضفاضة التي ترد في هذا المشروع (سعى ولم يحصل عليها، مجرد سعي فقط)، كما هو وارد في المادة (71) من الباب الخامس الخاص بالمخالفات والجزاءات من مشروع القانون.
إن صياغات لا يمكن ضبطها، مثل "السلام الاجتماعي" و"الثوابت الوطنية" وما إلى ذلك، تنتمي إلى المزاج الشمولي نفسه الذي حكم اليمن طويلاً، والذي يستدعي ويفعل مثل هذه الصياغات ضمن وسائل الإكراه التي يستخدمها عادةً لمطابقة الناس مع الحاكم، ولقمع أي اعتراضات على سياساته. إنها عبارات تنتمي لنموذج الدولة الفاشية، التي يصبح فيها تصور الأجهزة الأمنية لمصالح الوطن واستقراره هي المعيار الوحيد لسلامة موقف أي جهة أو فرد أو رأي، وحيث المواطن الصالح فقط هو المواطن الصامت، أو ذلك الذي يجيد الهتاف بحماسة في جوقة الزعيم الرمز.
نشرت في صحيفة النداء

الخميس، 29 يناير 2009

عن المسؤولية في جريمة قتل الدكتور درهم القدسي!


ماجد المذحجي
تختبر واقعة قتل الدكتور درهم القدسي الكثير من الالتزامات في اليمن: التزام الدولة بإنفاذ القانون، والنقابات بالتضامن المهني، ومنظمات المجتمع المدني بالمناصرة الحقوقية، والصحف بكشف الحقائق والمسألة العامة، والمجتمع بالتعاطف وإنكار الجريمة... إنها واقعة يُمكن أن تشكل مفتاحاً للتغيير وإنجاز خطوة ملموسة نحو واقع جديد لا يتم فيه استضعاف الأفراد كونهم مدنيين وينتمون لاختيارهم المهني فقط، ولا يعبرون عن أنفسهم ضمن العصبيات الصغيرة، وبالتالي يحظون بالحمايات التقليدية التي توفرها القبلية أو غيرها.
حتى الآن يمضي أكثر من شهر والقضية تراوح مكانها، يقضي القتيل أوقاته في القبر، بينما يحظى القاتل وشركاؤه بالحياة، محتمين بدولة متخاذلة، وتضامن قبلي، ومواقف لا أخلاقية تبرر القتل تصريحا أو تلميحاً. ورغم أن الواقعة قائمة وعلنية، فإنها تخضع للتشويش بشكل رديء وغير مفهوم، ويحدث تكييف لسياق الجريمة يُمكن منه التماس العذر للجناة، ونزع التعاطف مع الضحية، بدون أي التزام بحق الأخير في الإنصاف، وحق أهله وزملائه في الإحساس بالعدالة والأمان، بعد أن تم "نحر" كل ذلك بسهولة مرعبة.
يمكن التأكيد تماماً على وقائع محددة في قضية الدكتور درهم، لكي لا يتم الخلط. لقد كان الضحية يُمارس مهامه كمسؤول عن قسم العناية المركزة في مستشفى جامعة العلوم والتكنولوجيا، ولم يكن الطبيب المعالج لوالد الجاني الذي توفي. وما يتعلق بكون المتوفى، من آل المفلحي، دخل المستشفى مريضاً ومحمولاً على نقالة، أو متعافياً ويمشي على أقدامه، كما أشارت رسالة أهالي الجاني نشرت ضمن مقال للماوري، فهو سياق آخر لا تحتمله حقيقة ألاَّ علاقة مباشرة أو سابقة بين الدكتور درهم والمتوفى، تبرر غضب ولده، كما تشير الرسالة نفسها، باستثناء أن المتوفى كان يرقد في القسم فقط، ولا يخضع لمسؤوليته الطبية إلا بحدود كونه المشرف على متابعة حالته هو وغيره من المتواجدين في قسم العناية المركزة حينها. وما يتعلق بكون أسباب الوفاة طبيعية أو نتيجة خطأ طبية، فهو شأن لا يخص "درهم"، ويمكن بحثه لوحده، والتقرير بخصوصه باستقلالية عن واقعة القتل اللاحقة التي حدثت للطبيب.
إن ما حدث في واقعة القتل لا يتحملها شخص لوحده، كما أشار الكاتب منير الماوري في مقاله الأخير بصحيفة "المصدر"، حيث ارتكبت الجريمة من شركاء متضامنين وفق القانون، حتى وإن كان فردا واحدا من الخمسة الذين اقتحموا المستشفى والمتواجدين أثناء حصول واقعة القتل، هو من أغمد "الجنبية" في عنق وصدر الضحية، فالآخرون شركاء بحكم القانون، أعانوا أحدهم على القتل وسارعوا للخروج معه بعد ارتكاب الجريمة، ولم يقوموا بتسليمه؛ إذا افترضنا كونهم لم يكونوا راضين عما قام به، وهو افتراض تنفيه تسجيلات كاميرا المراقبة في المستشفى، التي وثقت تعاونهم مع الجاني ضد الضحية لا ردعهم له. كما أن المسؤولية الجنائية في الجريمة تمتد لكل فرد أو جهة شاركت في التستر على القاتل وشركائه وقامت بإخفائهم وتعطيل تسليمهم لجهات إنفاذ القانون.
إن الجريمة قائمة، وإحداثيتها علنية وموثقة عبر كاميرات المراقبة وشهود مباشرين، ولا تحتاج لأي اجتهاد يُعفي أي طرف شريك في الجريمة. ومسؤولية الجناة في ما حدث تحددها القواعد القانونية في المسائل الجنائية، التي تضبط وصف الاتهام وتقرر المسؤولية تماماً. والمطلوب تفصيل بسيط، هو: تسليم الجاني الأول وكل المتورطين في الواقعة، وما يتعلق بأي تفاصيل سابقة تخص أسباب وفاة المريض من آل المفلحي، فهم يتوفرون على كامل الحق قانوناً في إثارتها ومتابعتها، لكن مسؤوليتهم الأساسية، أخلاقياً وقانونياً، الآن، هي تسليم المتهم الرئيسي وشركائه، في حال علمهم بمحله، وهو شأن إذا تجاهلوه يضعهم تحت طائلة المساءلة القانونية بتهمة التستر على مطلوب للعدالة، وهي تهمة تنال من كل جهة أو شيخ يخفي محل الجاني وتوفر له الحماية من القانون.
لا يمكن تبرير الجريمة بأي مستوى؛ ذلك شأن أخلاقي وإنساني بالمقام الأول. إن مسؤولية الجميع هي إنصاف الضحية، لا تبرير القتل والتستر على الجناة. وإن وزارة الداخلية هي خصم حتى الآن، حيث لا تقوم بواجباتها في إنفاذ القانون على الجناة وضبطهم لتسليمهم للهيئات القضائية. وما يحدث حتى الآن من تراخٍ في القضية، سواء عن قصد أم عن غير قصد، فهو -ضمن معطيات القانون اليمني- إخلال بواجب وظيفي من قبل الجهات الأمنية المكلفة بالقبض على الجناة، وهو إخلال يتضمن جرم الامتناع عن تنفيذ أمر قضائي، باعتبار أن أمر النائب العام بالقبض على الجناة في قضية الاعتداء بالقتل على الدكتور درهم القدسي هو أمر قضائي.
إن إضراب الأطباء واعتصامهم الأسبوعي المتواصل منذ وقوع الحادثة هو موقف مدني متقدم ومطلوب ومشرف، ويفترض بوزارة الصحة الضغط لأجل القبض على المتهمين بقتل الدكتور درهم، باعتباره يعمل ضمن الحقل الطبي وعليها حماية حقوقه والعمل لتحصيلها، وليس تهديد المضربين من أجله بالفصل من وظائفهم! يجب على الجهات الرسمية أن تتحمل مسؤوليتها وتتوقف عن اتخاذ مواقف مستنفرة ضد أدوات العمل المدني التي يلجأ لها الأطباء، والتعامل معها باستعلاء ودون أي استجابة باعتبارها عملا عدائيا، وهو موقف "متشدد" يجدر بها اتخاذه بالأصل ضد القتلة والخاطفين وقطاع الطرق، الذين يتم التفاوض معهم ومنحهم مقابلا ماديا ضخما على الجرائم التي يقومون بها، بدلاً من معاقبتهم!
نشرت في صحيفة النداء

الأربعاء، 21 يناير 2009

بلاد ضيقة ومليئة بالكراهية


ماجد المذحجي
ماشا النهاري فرد بملامح يمنية معتادة، الزي واللهجة نفسيهما، ولا يمكن تمييزه في ظروف اعتيادية، لولا الزنار المتدلي على جانبي وجهه. إنه –ببساطة- مواطن يمني ينتمي للديانة اليهودية، قُتل لكونه كذلك. لم يقم قاتله بما هو استثنائي بالفعل، لقد نفذ ما في صدور الجميع فقط، استجاب لثقافة كراهية تبرر القتل يومياً، وقام بإعلان ما تؤمن به الغالبية في اليمن، حيث الدعوة لقتل المختلف دينياً وثقافياً، وأيديولوجياً أيضاً. جملة متداولة، ويتغذى الأفراد عليها باستمرار، عبر التلفاز والصحف، وفي خطبة الجمعة التي تختم الدعاء في كل أسبوع بـ"اللهم اهلك اليهود والنصارى!"، ليصبح كل ذلك مسوغاً سهلاً لقتل ماشا النهاري، ويمكن أن يصبح أيضاً سبباً للتقرب إلى الله، أو الانتصار لفلسطين. إنه قاتل لا يحتاج لتبرير جريمته. وما يقوله في المحكمة يتكرر في الجملة اليومية التي يتلقاها اليمنيون وينفعلون معها. لقد نطق جملة القتل التي نتبناها جميعاً فقط.
لقد استجاب اليمنيون الذين يدينون باليهودية لكافة أشكال التمييز الاجتماعية والقانونية ضدهم، كما فعل أسلافهم منذ قرون طويلة، ليتكيفوا مع المجتمع ويحظوا بالحماية والأمان، واستمروا بالحياة في هذه البلاد ضمن ظروف صعبة وشروط قاسية حرمتهم من أبسط الحقوق كمواطنين، ودون أي تذمر، وكان عليهم إثبات انتمائهم ووطنيتهم باستمرار: خضعوا لأعراف مناطقهم ومشايخها، وبايعوا الرئيس في الانتخابات الرئاسية، وأدانوا الاحتلال الإسرائيلي والهجوم على غزة، وتبرعوا بالدم للفلسطينيين، و... و... و... الخ. ولكن كل ذلك لم يعد كافياً كما يبدو الآن، فعليهم أن يدفعوا ثمن ثقافة الكراهية والتحريض القومي والديني، وغياب المساواة والعدالة، وعدم وجود دولة تضمن الحماية والحقوق لمواطنيها دون أي تمييز.
بعد مقتل ماشا، تمسك والده بحقه في إدانة القاتل والاقتصاص منه، وطالب بإنفاذ ما ينص عليه شرع المسلمين فقط، لم يطالب بالكثير. وكان أن عُرض القاتل على القضاء. يفترض أن يمضي الأمر ضمن ظروف طبيعية عقب ذلك، وأن ينال القاتل عقوبته؛ ولكن مقتل ماشا ومحاكمة قاتلة فتحت طاقة الكراهية حتى الأخير، وأفصح عن مجتمع عدواني بشدة، وعن دولة ضعفية ومهترئة لا تستطيع حتى توفير الحد الأدنى من الحماية لمواطنيها، ليتعرض اليمنيون اليهود للقذف بالحجارة من الأطفال في عمران، وللتهديد بالقتل باستمرار، علانية، في المحكمة وعبر رسائل الموبايل، من قبل أشخاص وجهات معلومة؛ ليصبح مآل الأمور أن تقوم الدولة بتهجيرهم من مناطق سكنهم بدلاً من حمايتهم وضمان حياتهم وتحصيل حقوقهم. إن كل ذلك هو عنوان عريض تماماً لدولة فاشلة تحمي العنف والكراهية، وتتواطأ مع التمييز وانتهاك الحقوق وغياب القانون.
على الأغلب –إذاً- انه لم يعد بإمكان اليمن احتمال 300 يمني يهودي فقط، والبداية السهلة هي نقلهم إلى صنعاء، وإن كان بالإمكان فترحيلهم خارج اليمن لضمان راحة البال كلياً، ويصبح على 20 مليونا أن يتطابقوا في المعتقد أخيراً، وربما عليهم أن يتطابقوا في المذهب أيضاً في وقت لاحق. يبدأ الأمر باليهود إذاً، ليصبح من السهل لاحقاً تصفية الآخرين؛ الإسماعيلية على الأغلب، وربما المتصوفة والزيود أيضاً، فمن يدري إلى أين تمضي أحوال التطرف والكراهية باليمن؟!
نشرت في صحيفة النداء

الأربعاء، 14 يناير 2009

القتل حين يفصح عن مصير اليمن!


 ماجد المذحجي
يفصح الشروع بالقتل، الذي تعرض له الدكتور درهم القدسي، عن ضعف عميق في الحماية التي توفرها المهنة والقيم المدنية في اليمن للمواطنين؛ حيث لا تشكل الممارسة المهنية، الناتجة عن تحصيل علمي، اعتباراً محترماً ومحمياً في مجتمع يسبغ تقديره فقط على "حمران العيون" من القتلة وقطاع الطرق والفاسدين، ويوفر لهم الحماية بسهولة، وحيث يصبح من السهولة تداول أحاديث، مختلقة أو حقيقية فهي تشير لوعي مخيف وبدائي، منسوبة لوزير الداخلية يبرر فيها قتل الدكتور بوفاة المريض ضمن منطق "واحد بواحد"، ليصبح الموقع الأمني الأول -ضمن هذا السياق- محلاً لتسويغ القتل وتجاوز القانون و"كلفتة" المطالب بالقبض على الجناة ومحاكمتهم!
حتى الآن المعتدي يحظى بالحماية من قبيلته، ويحظى الضحية بالتضامن من زملاء مهنته. الدافع فيما يخص الأول هو روابط العصبية البدائية، والثاني يتعلق بالانتماء لقيم المهنة وروابطها الحديثة. الفارق بين الدافعين هو الفارق بين "حالين" في اليمن وتصورنا لمستقبلها، حيث تتزاحم قيم بدائية وحديثة في مجتمع لم يقرر إلى أين يمضي، وحيث تصبح حماية الجاني تأكيدا على غلبة الاختيارات القديمة والبدائية وسيادة منطق العنف والقوة، وعلى مصير سيئ لدولة القانون والمساواة، وإنكارا نهائيا للوعد الرسمي المتكرر ببلد أفضل، ليصبح المواطنون عرضة للقتل والانتهاكات إن كانوا لا يحضون بحمايات القبائل أو مراكز النفوذ.
لم تكن السهولة في الشروع بقتل الدكتور درهم القدسي لكونه ينتمي لـ تعز، بالنسبة للجاني، بل لكونه طبيبا يمارس وظيفة غير مؤيدة بأي نفوذ أو قوة، سوى امتيازها الأخلاقي كمهنة إنسانية، وإن كان لا يمكن إغفال أن أحد الأسباب الضمنية في عدم القبض على المتهم حتى الآن من قبل الدولة لكون درهم ينتمي لمنطقة متخففة من العصبية القبلية وليست ذات غلبة وقوة ضمن المنطق السائد.
 لقد قام الجاني بالاعتداء عليه دون معرفة مسبقاً، معززاً بوحشية يغذيها منطق القوة العارية من الأخلاق، وثقافة عنف سائدة تحمي الأكثر قدرة على الفتك، مطمئناً لإمكانية العودة إلى القبيلة وحماية "الشيخ" في مواجهة جريمته وبأقل قدر من العواقب، حيث يمكن في أقصى حد تسليم "آخرين" من إخوته أو أبناء عمه كرهائن، في أداء رسمي وقبلي معتاد يتم به المماطلة بالقضايا حتى يهدأ الغضب بسببها ويمكن إما الفرار بالمتهم، وإما الضغط على أهل الضحية بعد أن ينفض التعاطف من حولهم للوصول إلى تسوية خارج القانون.
إن ما حدث هو اعتداء على تصورنا ليمن حديث ومحترم ومتقدم، وهو فعل لم يُبْقِ منطقة آمنة في المجتمع، لتصبح حتى المستشفيات أماكن غير محمية وغير آمنة، قانوناً وعرفاً، يسهل فيها القتل والاعتداء، وحيث يصبح تخلي الدولة عن مسؤوليتها في الحماية مؤشراً إلى انهيارها وانحدار المجتمع إلى غابة مليئة بالعنف.
يحاول الأطباء مناهضة تخلي الدولة الفادح هذا، ويقدمون نموذجاً تضامنياً مدنياً فريداً ينتمي إلى أدوات العصر، ضداً على عنف بدائي أعمى يعصف بكل شيء في اليمن. إن الاعتصامات والإضرابات التي يقومون بها هي تمكين للمجتمع بأسباب قوة حديثة وغير مؤذية، في مواجهة المظالم والانتهاكات، ولتحقيق المطالب وتحصيل الحقوق، وهي فعالية في تراكمها ما يُمكّن من وقف هذا الانحدار المرعب، ويقود إلى إنشاء حمايات خارج العصبيات البدائية للمواطنين.
يحتاج وزير الداخلية، وقادة الأجهزة الأمنية، والمسؤولون في الدولة، إلى القيام بواجبهم في قضية الدكتور درهم القدسي، لنطمئن -على الأقل- أن من يمارس مهنته لن يقتل ببساطة. ويفترض أن يقابل المجتمع مهنة إنسانية عظيمة كالطب بالتعاطف والتضامن أكثر. يحتاج أيضاً مشايخ القبائل لتقديم نموذج محترم في عدم حماية القتلة، وأن يطمئنوا المجتمع بأنهم ليسوا أعداءه ولا حماة للمعتدين على الأطباء أو المهندسين أو المعلمين، وكل الفئات المهنية التي تجعل من هذا البلد مكاناً صالحاً للعيش.
نشرت في صحيفة النداء

الجمعة، 2 يناير 2009

فـي ذكـرى جــارالله عمر


* ماجد المذحجي
 الاغتيال أداة سياسية لم يتم استنفادها بعد!
في أواخر شهر ديسمبر من عام 2002 أطلق علي جارالله السعواني رصاصته على الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي، جارالله عمر، عقب انتهائه من إلقاء كلمة أمام المؤتمر الثالث للتجمع اليمني للإصلاح، ليودي به صريعاً في مشهد مفزع تناقلته وسائل الإعلام والفضائيات بذهول، وبشكل أحدث صدمة عميقة في الحياة السياسية والاجتماعية حينها. الاغتيال الصاعق لهذا السياسي البارز تمر عليه الآن ستة أعوام، وباستثناء مهرجانات جماهيرية صغيرة لأحزاب المشترك في بعض المحافظات، فلم تُحدث هذه الذكرى أي حماسة سواء عاطفية أم نقدية لدى الطبقة السياسية والثقافية اليمنية. إن استحضار ذكرى هذا الاغتيال يتعدى بدلالته الولاء العاطفي لنموذج ديناميكي استثنائي وخلاق في الحياة السياسية اليمنية شكله جارالله عمر، بل هو فرصة لإثارة نقاش موسع، واتخاذ موقف حاسم، ضد الاغتيال كأداة مقرة ضمنياً في الأداء السياسي اليمني، حضرت في تاريخه الحديث بكثافة عالية وتم التواطؤ على استخدامها ومنحها شرعية صامتة بين “المتنازعين”.
الاغتيال كخيار متكرر في “سياسة” اليمنيين
قبل حدوث هذا الاغتيال، الأكثر علانية وتبجحاً في الاغتيالات اليمنية، لجارالله عمر أمام حوالي 2000 مندوب حزبي وأبرز الرموز السياسيين اليمنيين الحاضرين في المؤتمر الإصلاحي، كان هذا الفعل نشطاً كخيار سياسي بين الخصوم اليمنيين. فمنذ اغتيال الإمام يحيى، ومرورا باغتيال النعمان الابن، ومحمد علي عثمان، وتفجير طائرة الدبلوماسيين، واغتيال الحجري، والحمدي، والغشمي، وغيرهم، وحتى موجة الاغتيال التي طالت القيادات الاشتراكية قبل حرب صيف 1994، لم يبدُ أن أحدا اعترض عليه بشكل جاد، أو مس شرعيته كحق يسوغ للساسة ومراكز القوى استخدامه ضد “أعدائهم”. لقد تعاقد الجميع على تسويغه باعتباره “حل” اللحظة الأخيرة حين تعجز شروط السياسة الطبيعية عن توفير تنحية ملائمة لخصم ما. لقد كان الاغتيال فعلا أكثر نشاطاً في اليمن الشمالي من ناحية تطاوله على رموز سياسيين كبار، قياساً بالجنوب الذي وفرت دورات الصراع الدموية التي حدثت فيه الحاجة لاستخدامه، وبدا أن الطبقة السياسية المحافظة التي هيمنت على السلطة شمالاً بعد أحداث أغسطس عام 1968 استخدمته بكثافة لتسوية النزاعات بين أطرافها ولتكريس الهيمنة في يد عصبة أصغر بداخلها، وتغذى هذا الفعل الدموي المستمر على بيئة ثقافية واجتماعية تتبنى العنف وتقر نتائجه، وتعجز عن توطين أدوات سياسية طبيعية لتسوية الخلافات.
تفاقم حضور الاغتيال في الحياة اليومية للمواطنين من نهاية عقد السبعينيات وحتى بداية الثمانينيات أثناء المواجهات بين الجبهة الوطنية اليسارية ونظام الحكم في صنعاء، وسقط بسببه الكثير من كوادر ورموز الجهتين، ليصبح أحد أوراق النزاع العنيفة الأكثر أهمية في الصراع السياسي في الشمال، والذي تقف خلفه لعبة “كسر العظم” بين النظام في الجنوب والنظام في الشمال، ليصار إلى تهدئة مؤقتة في هذا النزاع المسلح، واستحضار متقطع للاغتيال، بعد وصول صيغة أقل راديكالية للحكم في الجنوب مثلها الرئيس علي ناصر حينها، وأنجزت اتفاقا سياسيا على التهدئة كان طرفاه الرئيسان ناصر وصالح.
الوحدة: استعادة نشيطة للقتل
لم تُحدث علانية العمل السياسي وتعدده بعد الوحدة عام 1990 تعطيلاً لهذه الأداة الدموية، باعتبار أن هناك ثقافة وأدوات سياسية سلمية جديدة يمكن أن يتم التراضي على ما تقره من تسوية للخلافات بين الخصوم السياسيين، فلم يتعدَّ الأمر عامين فقط حتى بدأ “الاغتيال” يحضر كحليف سياسي وورقة تفاوضية ضاغطة تستخدم ضد الحزب الاشتراكي والشخصيات الوطنية المستقلة، فابتدأ الأمر بمحاولة اغتيال عمر الجاوي، والتي سقط فيها الحريبي أول شهيد للديمقراطية وفق الوصف الذي أطلق عليه حينها، ليعصف الاغتيال بعدها بقائمة طويلة من القيادات الاشتراكية. تطور الحال وقتها نحو تعطيل كامل للخيار السياسي السلمي، واستخدم العنف كحل حاسم بالنسبة للشريك الشمالي في الوحدة، تجلى في الحرب الدموية التي قادها ضد “الجنوب” معتمداً على تعبئة شعبية وثقافية حقيقية ضد “الشيوعيين” و”الانفصاليين”.
انتهى الأمر بانتصار الرئيس علي عبدالله صالح في حرب 94، وتكريس السلطة بأكملها ضمن “الأسرة” والتحالفات القبلية العسكرية التي يعتمد عليها، منح تقديرا عاماً بانتهاء الحاجة للاغتيال من قبل القائمين عليه باستمرار بعد الوحدة، كون السلطة استقرت تماما بصيغة ملائمة بيد طالبها، ولم تعد هناك قوى تشكل تهديدا فعليا له. لكن مسار السياسة لم يمض نحو ذلك التقدير؛ ليتم اغتيال جارالله عمر بشكل علني وبشكل مرعب فعلاً، وبطريقة بدت كوسيلة ترويع للآخريين، علاوة على كونها تتضمن إزاحة لخصم يبدو أنه يسير بالقوى السياسية في اليمن نحو إنجاز تحالفات جديدة خارج الاصطفافات القديمة، ويستخدم أدوات مختلفة، ويستطيع استثمار اللحظة السياسية والظروف العامة بشكل ديناميكي وفعال يمكن أن يهدد استقرار السلطة المريح منذ صيف 94.
الإسلاميون قاعدة أيديولوجية للعنف
علاقة الإسلاميين بالعنف بالعام في اليمن متينة تماماً، وهي قائمة منذ تشكلهم كقوة سياسية رئيسة في البلاد تعتمد أيديولوجيتها على وجود نقيض مستمر (علماني)، وتتعرف كينونتها بإنكاره كلياً. وبحكم اعتماد النظام في الشمال على أداتهم الأيديولوجية والتنظيمية التعبوية بشكل ناجح في الصراع مع الأيديولوجية الماركسية التي كانت خصماً قوياً له حينها قبل الوحدة، دخلوا إلى جانب النظام في الصراع المسلح العنيف مع “الجبهة” عبر صيغة المعاهد الإسلامية في تلك المرحلة، علاوة على شراكتهم في منظومة إقليمية تمولها السعودية وبإدارة أمريكية وموافقة رسمية في تغذية العمليات الجهادية في أفغانستان ضد الاتحاد السوفييتي “الكافر”. عقب الوحدة عمل الإسلاميون، عبر التجمع اليمني للإصلاح، على تعبئة المجتمع ضد الاشتراكي، وكان خطابهم العام واليومي يعمل على نزع حق الاشتراكيين في الحياة عبر توصيفهم المستمر بـ”أعداء الدين”، وهو ما شكل تبريراً دينياً ضمنياً لموجة الاغتيالات التي طاولتهم حينها. الصيغة الدينية التعبوية ضد الاشتراكي لم تنته فعاليتها بسقوط التحالف بين المؤتمر والإصلاح، ومقدرة جارالله عمر على هندسة تجربة سياسية فريدة اسمها “المشترك”، استطاعت أن تضع حدا للصراع المرير بين الإصلاح والاشتراكي، لتنشئ تحالفا جديدا في الحياة السياسية اليمنية شكل تهديداً حقيقياً لاحتكار السلطة اليمنية، وهو حدث كان دور جارالله البارز وفق التقدير العام أحد أسباب القرار الضمني باغتياله. لتمتد فعالية هذه التعبئة لاحقاً في وعي كثير من الإسلاميين الجهاديين، لم يتم إنكار “كفر” الاشتراكيين أمامهم من قبل شيوخهم، وهي تعبئة دينية متطرفة ومسكوت عنها تتيح القتل وتقر الاغتيال وتصفية المختلف، ومازالت تتغذى على قواعد متشددة تتم رعايتها وتوظيفها رسمياً، وأبرزها معاهد السلفيين وجامعة الإيمان.
إن اغتيال جارالله عمر حدث على يد إسلامي متطرف، ولكن هذا الفعل الدموي لم يكن معزولاً ضمن دافعه الجهادي فقط، ولم يحدث أن اقتنع أحد ببراءة الأمر من الامتداد الأمني فيه، وإن كان يمكن التأكيد مرة أخرى على كون التعبئة الدينية الحماسية التي نهض بها حزب الإصلاح سابقا ضد “الاشتراكيين”، والتي تكررت عقب الحرب أيضاً وامتدت حتى الآن عبر رموز إسلاميين -أمثال: الزنداني، الذارحي، والتاج، وغيرهم- على “المثقفين” و”الصحفيين” والنخب اللبرالية الجديدة في اليمن، برعاية رسمية وأمنية ضمنية، أسهمت بشكل كامل في هذه الواقعة الدموية التي ذهب ضحيتها جارالله، رغم أنها أتت متأخرة قياساً لفترة الذروة في اغتيالات ما بعد الوحدة التي حدثت بين عامي 92 و93. ويمكن بالتأكيد لهذه التعبئة والتحريض الديني المستمر أن يستخدم لاحقاً في تسويغ أي قتل واغتيال ما دام جذره المتطرف يتلقى تغذية مستمرة.
لم يستنفد الاغتيال بعد
لقد تلقى الناس وفاة الكثير من الشخصيات العامة القوية التي صنفت بالاستقلالية السياسية في علاقتها بالسلطة، أو عملت في إطار قوي على معارضة سياسته، بكونها تصفية من نوع ما، وإن لم تأخذ هذه التصفية شكل الاغتيال العلني، إلا أن التقدير كان دوماً يخضع الحوادث المرورية مثلا لكونها مؤامرة من نوع ما، مثل تلك الحادثة التي أودت بحياة اللواء يحيى المتوكل، والحوادث التي أودت بآخرين، ويرى في أزمة صحية طارئة تودي بحياة فرد كونها تسميما مثلا، حيث تم تلقي الوفاة المفاجئة للصحفي والبرلماني عبدالحبيب سالم في هذا السياق، ليمتد الحديث عن الاغتيال باستمرار شكل الشائعات والظنون العامة باستمرار في وصف أي حادثة تؤدي لوفاة إحدى هذه الشخصيات السياسية ثقيلة الوزن. بالطبع لم تكن واقعة اغتيال جارالله عمر آخر محطات هذا الفعل الدموي، فمازال الاغتيال حاضراً في خلفية العلاقات السياسية وضمن أدواتها، يبدو ذلك ضمن الأخبار التي تتداول عن محاولة اغتيال الرئيس الأسبق علي ناصر محمد أكثر من مرة في سورية ومصر، وما أثاره أيضاً رئيس الوزراء السابق حيدر ابوبكر العطاس في لقاء صحفي أخير بـ”النداء” عن وجود مخطط لاغتياله.
إن المناخ العام في اليمن لم يستبعد الاغتيال أبداً، بل هو يرجحه باستمرار ويستند في ذلك إلى الحقائق والظنون، باعتبار أن صيغة السياسة في البلد مازالت تستمد أدواتها من الذهنية القديمة نفسها، ذات الهوى الأمني والخيارات العنيفة، التي أدارت البلد باستمرار.
كان يمكن لمقتل جارالله أن يحدث فرقا
فشل الجميع في استثمار اغتيال جارالله عمر لتصفية الاغتيال كأداة سياسية صامتة، ووضع قواعد العنف وأسبابه في قلب النقاش والإدانة العامة، ولم يتمكن أحد من استثمار مد شعبي وعاطفي واسع اصطف بشكل واسع منكراً هذا الاغتيال، وكان يمكن أن يستجيب لأي خطوات ومواقف تحجم “القاعدة” السلفية الجهادية التي غذت السعواني بأسباب القتل وثقافته، ولم تنكر عليه أبداً وبشكل صريح شرعية فعله بعد قيامه به. إن اغتيال جارالله شكل فعلا صادماً بشكل حقيقي بحكم الرمزية الشديدة التي يشكلها نموذجه السياسي والإنساني والثقافي، ولذلك فقد أثار انفعالاً وتعاطفاً شعبياً جارفاً حينها. الأمر لم يتعدَّ ذلك الانفعال، ولم يحدث نقاشا واحتجاجا واسعا حول فعل الاغتيال، بشكل يتعدى مسؤولية الحزب الاشتراكي في معاقبة القائمين على اغتيال أمينه العام المساعد، لينسحب على المجتمع كله، باعتبار أن ذلك يقع تماماً ضمن مسؤولية جميع النخب السياسية والمدنية، لتصبح تلك “الروزنامة” التي تتضمن تأريخاً لكم مر على اغتيال جارالله عمر، وصورته، وعبارة “لن يمروا” بجانب ترويسة صحيفة “الثوري”، تذكيراً أسبوعياً مستمراً على فشل الطبقة السياسية والمدنية والثقافية اليمنية في وقف الاغتيال وسحب الشرعية منه، واستثنائه نهائياً من قائمة الخيارات التي يمكن أن تلجأ لها السلطة في مواجهة خصومها.
.....................

الثلاثاء، 9 ديسمبر 2008

عن الرجل الذي يحتفظ بشاحنة معطلة في صدره

ماجد المذحجي
التفاصيل التي يتم تربيتها بعناية في الجمجمة حين الأشياء –بكثرتها- لا تداهمه خلسة بأعبائها.. وحين تكون الجدران، ذاتها جدران الحجرة، عارية من الاستفزاز ومتواطئة على الإمعان في مشاركته تربية هذه التفاصيل الزنخة التي يحفل بها، لا تكون مهمة جداً ولكنها لذيذة نوعاً ما ومتيسرة فقط ليفعل بها ما يظنه ملائماً. لاشيء مغرٍ بالفعل في الخلفية المتوقعة لكي يكون رافعه لهذا التوهم الرطب الذي تمدد في حجره وأصبح كائناً بقوام مُكتمل ويزعق مطالباً إياه باحترام خصوصياته وما يظنه هو حقهُ الأبوي باعتباره استنزف عنايته وانشغاله. إن حضوره الممتلئ أصبح له متطلبات يجب العناية بها وعدم تجاهلها أو التقصير تجاه ضروراتها النفسية للطرفين. المزعج الذي يهدد التصالح البطيء معه هو أن استقلالية مزاجه وكيانه الداخلي لم ترتب انفصاله المادي عنه، فشروط الحمل الفسيولوجية المؤدية لِهَكذا وضع لم تكن واردة منذ البداية، الأمر الذي عطل وجود نتائج طبيعية، وجعل القضية شائكة وملتبسة بينهما. المزعج أيضاً هو أن انزعاجه حوله إلى شاحنة معطلة تماماً في صدره، وأن أرقه من هذه الشاحنة ومن احتلالها لكل هذا الحيز ترافق مع ارق عاطفي يخص المرأة التي لم يستطع أن يستوعب تعلقها وانزعاجها من مسألة عدم إهدائه ورده لها. إن تعطل هذا الكائن عن أن يكون أي شيء اقل حجماً من شاحنة معطلة تجثم على كل المساحة الفارغة في الصدر – المساحة المفترضة لكل الانفعالات والتفاصيل – لا يمنحه فرصةً لإعادة تدوير أي أفكار أو انفعالات عاطفية أو غير عاطفية تخص المرأة ووردتها المفترضة. بل أن المتبقي ممتلئ تماماً بأسئلة من قبيل:
ما هي ماركة هذه الشاحنة؟، ومن هو مالكها؟، ولماذا هي مُعطلة؟، وماذا يحدث بالضبط في كابينة السائق ذات النوافذ المعتمة؟، وكيف يمكن إصلاحها وجعلها تغادر؟...
هذه الأسئلة وغيرها هي ذاتها الأسئلة التي تستهلك لقائه بالفتاة المشغولة بوردتها المشتهاة حين يجلسان متقابلين على الأريكة وبجوارهما طاولة دميمة ذات قوام قصيرة تحمل على ظهرها فنجانين متقابلين أيضاً وركوة قهوة ومنفضة ممتلئة بالأعقاب وبقايا علكة ممضوغة، بينما تتسرب الموسيقى من جهاز الكومبيوتر دون أن تثير مبرراً واحداً للإنصات لها.. فقط يعلق صداها على الجدران المطلية بشكل سيء بلون ازرق بدأ بالتقشر موحياً بإحساس هائل بالحياد والتأفف. ليبدأ مباشرةً بتبرير علاقته المعقدة والمعدومة بالورود باعتبار ذلك هو السبب الأكيد والحقيقي لإهماله ونسيانه الدائم جلب ورده لها، ومن ثم يدلف لها من أحد شقوق الحديث نحو أرقه المزمن والمتعلق بهذه الشاحنة المعطلة في صدره التي أصبحت تهيمن عليه وتضغط أفكاره، والتي تحولت إلى كابوس بشع يجد نفسه فيه يركض في زقاق طويل ومسدود في نهايته بينما يتعالى هدير محرك الشاحنة وهي تُطارده فيه. أو يحدثها عن الكابوس الأخير الذي استيقظ منه وهو يتعرق ويصرخ لأن الشاحنة كانت تدوس على صدره بأقدام ضخمة وتوشك على أن تدوس رأسه أيضاً. وهكذا ينقضي اللقاء وهو مسترسل بالحديث عن شاحنته وعن وردتها التي تحلم أن تحصل عليها منه. الوردة التي قالت له أنها ستساعدها على تفهمه وعلى نزع حساسيتها وغيرتها – المفرطة – من النساء اللواتي يحصلن على وردة من رجالهن. وان هذه الوردة ستساعدها أيضاً على التخلص من ارقها الطارئ ومن هذا الكابوس المفاجئ الذي أزعجها مؤخراً والذي ترى فيه شاحنة ضخمة تمد لها يداً تحمل ورده وهي تبتسم قبل أن تسحقها وتبدأ برشقها بآلاف الورود الملونة التي تدفن جسدها تماماً تحت الأكوام الكبيرة التي تراكمها.
من الغريب فعلاً أن هذه الشاحنة صارت مسوغاً لاعتنائها به. فهي تُهاتفه صباح كل يوم لتطمئن عليه وتسأل عن أخبار شاحنته المعطلة وتحكي لك عن نوع الوردة التي تُريدها، أهي جوري أم ياسمين أو زنبق، وعن الإناء الذي ستضعها فيه، أو عن تسريحة الشعر التي تظنها ملائمة لكي تحط الوردة فيها. إن الأشياء من حوله صارت متعلقة تماماً بالحيز الفارغ الذي يجده في صدره جوار الشاحنة. وإن هذه الشاحنة أصبحت تدس انفها بإصرار في كل شيء يتعلق بحياته وما يندفع نحوه بثقة أو تخاذل. إن هذه الفتاة المسكونة بوردتها وصفته بأنه يُمارس الجنس كشاحنة تماماً، وقالت – وهي تقهقه – إنها خشيت أن يتعطل وهو فوقها كما تعطلت تلك الشاحنة في صدره. كما أخبرته أن عيناه – وهو في السرير بجوارها – كانتا تُضيئان في الظلام كمصابيح الشاحنات في الطرق الطويلة. وانه يُصدر غازات من مؤخرته بذات قدر الدخان الذي تُطلقه الشاحنات. حتى أنه لاحظ مؤخراً في المرآة أن ملامح وجهه بدأت تصير مثل ملامح الشاحنات، وأن هناك سحنه (شاحناتية) واضحة لديه. وإن الناس يتعاملون معه بحذر كما يتعامل سائقي السيارات الصغيرة مع الشاحنات، وفتاة الوردة صارت تدلـله مؤخراً بـ ( شاحنة حياتي )... 

***
وردة واحدة فقط لو جلبها لي اليوم ستُمكن هذه الحجرة من تعديل مزاجها البائس تماماً؟!....
وسيستطيع من خلالها أيضاً أن يعيد ترتيب احدايثاتها بشكل مختلف: الطاولة الدميمة بأقدامها القصير كانت ستتحول إلى طاولة ممشوقة القوائم وذات مزاج أكثر تعاوناً مع ركوة القهوة والفنجان– والذي يمكن استبدالهم بنوع أكثر جمالاً وطزاجة من المشروبات ويكون متناسقاً مع الشكل الجديد للطاولة.حتى الأزرق المتقشر على الجدران سيتماسك أكثر ويُلمع نفسه حتى يستطيع مغازلة هذه الوردة والتكيف مع حضورها، وسنجد أيضاً الكثير من المبررات للاستماع لموسيقى مناسبة لشخصين يضعان بقربهما وردة. ..
لربما كنتُ أيضاً سأحتفظ بالعلكة في فمي، واجعلها (تطرقع) أكثر بشكل مغر، ولن أدخن كثيراً كي لا يظل هو منشغلاً بمراقبة المتبقي من سجائر في علبته!
ياااه، مازلت استغرب بالفعل كيفيه استخدام هذا الشخص لحياته بكاملها دون التفكير بضرورة وجود وردة واحدة على الأقل؟! وردة واحدة يستخدمها لإقناعي بأنني سيدة أستحق وردة.  وهي الوردة ذاتها الكفيلة ربما بإغواء الشاحنة المعطلة في صدره وجعلها تُزيت مفاصلها وتجعل زجاج كبينتها لامعاً ونظيفاً وربما ستؤدي إلى نتائج أخرى غير متوقعه، مثل مغادرة بعض ما يدور من أحداث أو أحاديث بداخل الكابينة ذات النوافذ المعتمة إلى الخارج، أو قد تساعد هذه الشاحنة على التفكير في معاودة التجوال في طرق مفتوحة وأكثر رحابه من هذا الصدر عوضاً عن البقاء معطلة وعدم إمكانية الحركة في الحيز المتبقي في صدره إذا فكرت بتلين مفاصلها في يوم ما. ورده واحدة يقدمها لي هذا الرجل ستمنحني آلاف الفرص للتفكير بامتيازات أخرى يمتلكها غير أنه رجل يحتفظ بشاحنه معطلة في صدره ... ثم ماذا يعني أن يحتفظ الرجل بشاحنه معطلة في صدره؟!!. أليست تشبه احتفاظ طفل بطائرة مُقاتله من الطراز الحديث سيقودها حين يكبر لمهاجمه أعداء مفترضين.. أو حتى تربيه الرجال لأحلام يوميه في صدورهم تتعلق بمقاسات وموصفات النساء اللواتي يلقن بفحولتهم. . لا أدري بالفعل ماذا يعني انشغاله غير المبرر بالشاحنة، حتى أنني فكرت بأن أعتلي كابينة هذه الشاحنة وأدير محركها ثم امسك بمقودها بيدي لأبدأ في الاندفاع نحوه وهو يركض بفزع في ذلك الطريق الذي سيكون مغلقاً في آخره بورده ضخمه وغاضبه تنظر إليه بتحفز تماماً . اوووف، هذا الشخص المعطل تماماً كشاحنة لا يستطيع أن يفهم أن وردة واحدة قادرة على جعل صدره أكثر سعة بكثير مما هو عليه الآن، وستجعل هذه الشاحنة تبدو كقطعة صغيرة وبائسة لا تشكل ازدحاماً ولا أرقاً، ويمكن أزاحتها بسهولة وإهمال لصالح أشياء أخرى أكثر أهمية أو أكبر حجماً وتناسب صدراً ضخماً وواسعاً كصدره!
الغريب انه لا يفهم أن عدم اصطحابه لوردة واحدة أبداً في مواعيد العاطفية السابقة هي السبب في احتفاظ أولئك النسوة اللواتي يقابلهن بملامح متجهمة و إصرارهن على عدم طلب أي نوع من العصائر أو المشروبات الكحولية وطلب فنجان واحد أو اثنين دائماً من القهوة التركية الخالية تماماً من السكر!  لا ادري بالفعل كيفية التعامل مع شخص يحتفظ بشاحنة معطلة في صدره؟؟!، ويزعجني بالفعل أن لا يدرك مدى كرهي للشاحنات بملامحهن المعدنية المربعة الخالية من الرشاقة واندفاعهن غير المهذب في الطرق، بالإضافة إلى أصواتهن الحادة الكفيلة بأحداث تشقق دائم في الجمجمة. ربما لو كان اختار عربه اقل حجماً وأكثر جمالاً، وتكون ملائمة لصعود سيده تكون للتو حصلت على وردتها، التي ستدفعها لتفهم ملامساته الحميمية لجسدها وهو يقود، سأستطيع أن أتعاطف دائماً معه واقترب منه أكثر كلما قعدنا على الأريكة الوحيد في غرفته، ولن أتردد في تفهم نسيانه -لبعض المرات- جلب ورده لي، ولربما أعاود التفكير في رفضي أن أبدل حذائي الرياضي الذي يقول إنه قبيح بالإضافة إلى انه يحمل كميه اكبر من الأوساخ و الأتربة من تلك التي يحملها حذاء أخر ذو كعب عالي مثلاً.. يجب بالفعل أن يفهم أن ورده واحدة ستحسن أشياء كثيرة وستدفعنا للتفكير بأنواع كثيرة من التسلية نقوم بها معاً، وأن شاحنته ذاتها ستشعر بالغيرة الشديدة من هذه الوردة، ولربما تندفع إلى الخارج غاضبةً لمطاردة هذه الوردة ودهسها مُتيحه له الفرصة أن يغلق صدره بإحكام قبل أن يبدأ التفاوض معها حول شروط عودتها الملائمة له والتي ستكون من ضمنها:
إجبار هذه الشاحنة على أن تمارس الحمية حتى تصير أكثر رشاقة و أقل حجماً، وأن تستبدل أيضاً نوع زجاج الكابينة المعتم بزجاج شفاف، بالإضافة إلى أن تحرص على تنظيف مخلفاتها ومغادرة صدره كلما طلب منها ذلك لكي يشغله بأشياء أخرى قد تكون عاطفية أو عائلية أو شخصية يحتاج أن ينشغل بها لوقتٍ ما، وأيضاً أنه يجب عليها التخلي عن فكرة مغادرة صدره دون إذن مسبق، أو الوقوع في نوبات غضب أخرى و الخروج لدهس وردة تخصه هو أو تخص أحد ما يكون مقرباً منه....
يجب إذاً أن يقتنع بالفعل أن الوردة التي سأحصل عليها منه ستكون محنكة كفاية لإقناعي بالاستمرار في علاقة مع رجل يحتفظ بشاحنة معطلة في صدره، وستمنح هذه الوردة فرصة أن تمارس هواياتها في إغاظة شاحنته البدينة وإعادة تصميم ديكورات حجرته و إنقاذ علاقاته العاطفية من الفشل الدائم، بالإضافة إلى تحسين شروط حياته اليومية تماماً.. 

***
لماذا يجلب الرجل وردة لامرأة ما؟ على الأغلب فأن أولئك الذين يفعلون ذلك لا يحتفظون بشاحنات معطلة في صدورهم، وإلا لكانوا أكثر انشغالاً من أن يفكروا بقضية مثل قضية جلب ورده من اجل امرأة...
إنني شخص احتفظ بشاحنة معطلة في صدري، وهذا شيء لا يمكن أن يدركه رجال متفرغين لإهداء الورود للنساء، أو حتى أولئك الذين يمتلكون صدور فارغة تماماً لم تعبر بها مصادفةً شاحنة أو عربة صغيرة أو حتى دراجة هوائية. إنهم بالفعل بحاجة لتجريب الشعور بتواجد شاحنة كاملة معطلة في الصدر كي يستطيعون تفهم أن انشغال رجل يحتفظ بشاحنة معطلة في صدره ليس ترفاً ولا إخلالاً بلياقة مفترضة، وليس مؤشراً لعدم اهتمامه بجلب ورده، بقدر ما المسألة تتعلق بأن هذه الشاحنة لم تفكر مسبقاً أن تعطلها في صدر رجل قد يسبب انزعاجاً لامرأة تنتظر وردة منه. أنا اعرف بالطبع أن تقديم ورده هو شكل لائق ومفترض خصوصاً لامرأة مشغولة بانتظارها، ولكن يضايقني عدم تفهمها لأرقي بهذه الشاحنة الضخمة كفاية لأن ينشغل بها أي شخص يشاهدها وليس فقط من يحتفظ بها في صدره. وأن المتطلبات الشخصية لهذه الشاحنة كفيلة بجعل جدولي اليومي ممتلئ تماماً بمتابعتها.
إن تعطل هذه الشاحنة في صدري دون حراك يثير قلقي أحياناً، فهي من هذا الموقع الذي تحتله تستطيع اختلاس السمع لما يدور من أفكار بداخلي، وهي أيضاً تستطيع التلصص على كل الأسرار الشخصية التي احتفظ بها خفيةً عن الأخريين. ولو غادرت يوماً ما صدري فهي ستحتفظ بكل هذه الأسرار معها دون أن تقدم ضمانة واحدة بعدم إفشائها – ربما من قبيل التسلية أو النميمة– لشاحنات أخرى، أو لأي شخص قد يهمه الإنصات بعناية لتجربة شاحنة ظلت فترة طويلة في صدر رجل!!..
أنا أيضاً – حتى الآن – لا ادري كيف تستطيع هذه المرأة أن تنشغل بفكرة الحصول على وردة مني وتلك الشاحنة مازالت مُعطلة في صدري، وأن تبدي تأففاً واضحاً على ملامحها من لون جدران غرفتي وشكل طاولتي المفضلة ذات القوائم القصيرة، هذه الطاولة الرائعة التي أمد ساقي عليها حين استرخي على الأريكة وأنا أشاهد فيلم ما على شاشة الكمبيوتر المقابلة، والتي لا تضطرني أبداً إلى استخدام ذراعي الاثنتين لدفعها حين ارغب بإزاحتها إلى مكان أخر، هذا بالإضافة إلى حجمها الملائم لاستيعاب عدد محدود فقط من الصحون والأكواب إذا استضفت أحداً في الحجرة للسهر..
 أفكر أحياناً أن هذه الشاحنة قد لا تكون مُعطلة كما تدعي، بل هي مختبئة في صدري من شيء ما، أي ربما تكون لها سوابق خطيرة ارتكبتها في ما سبق وترغب في الاختفاء من الذي ترتب عليها، أو ربما تكون لها ميول شاذة تجاه صدور الرجال، وإلا ماذا يجبر شاحنة ما على البقاء مُعطلة في صدر رجل لم يجلب وردة في حياته إلى امرأة..
بالفعل أنا لم اجلب وردة أبداً لأي امرأة تعرفت عليها، وكنت أفكر دائماً أن هذه الوردة قد تكون مبرر لأي امرأة للحديث عن سعادتها في البداية ومن ثم عن أنواع الورود التي تُفضلها وعن الورود التي قدمت لها في مناسبات متعددة مثل عيد ميلادها، أو في حفلة تخرجها من الجامعة، والوردة التي حصلت عليها في أول موعد، وباقة الورود المميزة التي قدمتها لصديقتها حين أنجبت لأول مره، والكثير من التفاصيل المملة المتعلقة بالورود وعلاقتها بها..
يزعجني أيضاً أنني لا اعرف أية تفاصيل تتعلق بتاريخ هذه الشاحنة الشخصي، مثل موديلها، وماركتها التجارية، وأين صنعت، وأنواع البضائع التي كانت تنقلها، وهل مواصفاتها ملائمة وتتطابق مع المواصفات الوطنية، ونوعية السائقين الذين قادوها سابقاً، وهل أصيب محركها بأعطال أدت إلى توقفها، وهل تم استبدال قطعها التالفة بقطع غيار أخرى أصلية أم لا؟؟. أو حتى عن ما يدور بداخل كابنتها المعتمة من أفكار عني قد تكون غير محببة؟! إن هذه التفاصيل مهمة لكي أستطيع أن أتفهم الظروف التي أحاطت بها قبل أن تتعطل في صدري، وستساعدني تماماً على ترتيب مناخ ملائم لنا الاثنين. يجب أيضاً على هذه المرأة أن تتخلى عن فكرتها بأنني شخص لا امتلك إحساساً بالجمال، فقط لأنني لم أقدم لها وردة!!. إن هذه فكرة سخيفة وكان عليها أولاً أن ترتدي ملابس أكثر جمالا وأناقة من هذا ( الجينز ) المغبر والقميص الذي تطوي أكمامه بشكل سيء، وان تستبدل أيضاً حذائها الرياضي بأخر من تلك الأحذية النسائية ذات الكعب العالي والتي ستبرز جمال قدميها وتمنح الساقين مشهداً مثيراً ومتناسقاً حين تمشي، وهو الأمر الذي سيجعلني ادعوها إلى أماكن أخرى سينتبه نزلائها حتماً أن المرأة التي ترافقني لا ترتدي حذاءً رياضياً. وعليها التأكد تماماً أن رجل يحتفظ بشاحنة مُعطلة في صدره لا يقل شأناً أبداً عن أي رجل آخر قد لا يحتفظ بشيء في صدره. بل أنه شخص مميز تماماً، فهو الشخص الوحيد الذي اختارته شاحنه لكي تتعطل في صدره.. 
نشرت في مجلة غيمان العدد السادس