الخميس، 30 أغسطس 2007

بورتريه لمتاعب شخـصية..!


* ماجد المذحجي
الإحساس دوماً، وفي الليل، بأن هناك فجوة فارغة في صدرك يثير الكثير من الحنين الشخصي لأشياء غير محدده! تشعر بإصرار بأن هناك شيئاً ما تشتاق إليه ولا تستطيع تحديده: أنت ضعيف حينها وتحتاج إلى الكثير من التعاطف والإعفاء من أي مسؤولية. بالتأكيد ثمة دوماً ما هو مربك لشخص يتحرك في مساحة مفتوحة وعرضة للتقاطعات الشخصية والعامة، فأنت تصبح مُنهكاً تماماً بالتوقعات: موقف، رأي، التزام، مساهمه، تضامن... الخ. بالضرورة ستنخفض الحمايات الذاتية حتى الحد الأقصى، فأنت مطالب بأن تكون مكشوفاً و شفافاً، وبأقل قدر من الخصوصيات لكي لا تثير أي قدر من التأويل أو الريبة. لذلك لا يصبح الاكتئاب "ترف المبدع" المعتاد كما يقال، خصوصاً حين يصبح ملتصقاً بك بشكل متكرر، فالإحساس الدائم بمساءلة الأخرين أخلاقياً لك، وتجريدك من حقك بالأخطاء والضعف والشهوة، تحولك إلى رقيب متوتر على ذاتك. من المفترض، إذاً، أن تكون جيداً باستمرار في محيط محروس بالتوقعات والتمدح، والإقرار بالتناقضات الشخصية مؤجل فهو يُضعفك ويخفض التقدير لك!
أنت فرد يبذل جهداً مضاعفاً بالفعل لإ ثبات ما يخصه لوحده، في وسط عام ومزدحم بصوت جماعي لا يرغب بأن يقرك كما تشاء! لذلك تبدو محاولاتك للانفراد بذاتك، والتسلل الدائم إلى صمت شخصي وشرود يعفيك من الانتباه للآخرين، محاولات ضعيفة فعلاً. خصوصاً حين تفعل ذلك لحماية ما تبقى من فرديتك، والإنصات لصوتها بخوف، خشية أن تفعل ذلك يوماً ولا تجد شيئاً يخصك ويستجيب لك: حينها تصبح بأكملك صدى للأخرين وأجوفاً تماماً.
لستَ جلفاً ولكنك توشك أن تصبح كذلك حين ترى الكثير من الأوغاد يحصلون على كل شيء. لا يحتاج الأمر كثيراً لتشعر بأن من حقك أن تدير للعالم ظهرك وتخبر كل من تحب أنك قرفت من فعل ذلك: الإصرار على أن تحبهم بصمت بينما هم منشغلون بمنح مشاعرهم لمن يثيرون الضجيج ويتملقونهم بدأب! إن ذلك يولد المرارة ويشعرك بالاهانة. هل المسألة أنك أقل ذكاءاً وتحتاج للاحتراف أكثر، وتقديم صيغة شخصية منك أكثر عاطفية واندفاعاً ومرحاً. أو أن الأخرين، ممن تحب، هم أغبى مما تظن ببساطة!
التعامل مع المشاعر بشكل بارد يوشك أن يكون حلاً بالفعل. يرعبك حل كهذا، فأنت تجد نفسك بالعادة متورطاً في الآخرين. قد لاتفصح عن ذلك لهم، ولكن ذلك شيء يمكن إدراكه في تلك الأشياء التي تلمع بداخلك وأنت بقربهم. لست عاطفياً كثيراً ولكنك تتحسس تماماً انفعالات من يُقربونك منهم ومتى يشعرون بالتأذي. ذلك مُربك جداً لقرارات صارمة تقنع نفسك باستمرار بضرورة الالتزام بها: التخلص من التعاطف، وتربية أنانية شخصية تحرسك من الخيبة والإحساس المتكرر بأنهم يخذلونك.
ثمة مشكلة دوماً تتعلق بتقديرك لجهدك كما تظن، الإحساس بأن نصيبك من النتائج أقل مما تبذله لتصبح ما هي عليه. الأمر يتم على النحو التالي: ما يبذل من جهد يحظى بالثناء ولا يُغادر ما هو مقرر سلفاً من التزامات تجاهك. بين ما يتوفر من امتيازات تُمنح لمن لا يبذل جهداً بل يستطيع تسويق مداعباته وكونه أفضل افتراضاً فقط. ليس المسألة سوء نية تجاهك بالتأكيد، وتقديرك لذلك ليس له علاقة بكونك متسامحاً، فالموضوع انك أتيت متأخراً بينما الآخرون حجزوا مقاعدهم مبكراً. أنت مثقل بالأعباء وجل ما تستطيعه هو المنافسة على الصف الثاني باستمرارَ!
لا تستطيع المنافسة بسهولة لإثبات الذات بينما التقديرات محسومة سلفاً. إن الانتباه محكوم بالزمن ويجب عليك هنا أن تُقر إنك تأخرت فعلاً. الحصول على امتيازات، وتقدير، وفرص، مسألة متعلقة بكونك رائجاً، وهذا تفصيل لا تحكمه "جودة" أدائك. الأمر كله مرهون بتفضيلات الآخرين، وتحيزاتهم الشخصية، وعصبية الزمن مع منافسيك. فأنت لن تخطر بالبال بسهولة وهناك آخرون لديهم ذكريات يسوقونها أكثر منك.
بالتأكيد أنت بحاجة لصرامة أقل، وبحاجة فعلاً للكسل! إخفاء متاعبك في النوم حتى وقت متأخر، وإعفاء نفسك من أي مسؤولية قد تشعرك بالوهن. تحتاج أيضاً لترك الكتابة في السياسة وإيجاد حل مثالي يُبقي دماغك مهجوراً من أي وظائف متكلفة. يجب أن تعود لكتابة نصوص مطولة ولكنها تروقك شخصياً، وعليك الاعتناء بمشاعر الرضا لديك! ذلك أمر يحتاج في بعضه للمديح، وأن تخبرك فتيات جميلات بأنك جذاب وأن لديك فعلاً ما يدفعهن للاهتمام بك دون أن يلقين بالاً لكونك مرتبطاً مثلاً. تفاصيل كهذه تحتاج إلى قليل من الترف، ومزاج متخفف من الحسابات. بالطبع أيضاً ستحتاج إلى نقود لا تُنفق في الاحتياجات الضرورية فقط، تلك التي تتهدم أمامها باستمرار، بل تُنفق لإرضاء رغباتك ودون إحساس بأي مسؤولية. النزوات تجعل الحياة ممكنه وأكثر احتمالاً، وأنت تحتاج إلى التأكد من أن ذلك ممكن فعلاً. إن مواجهة الأيام بتجهم مستمر لن يؤدي لشيء سوى إصابتك في العمق بالتلف.
........................................
نشرت في صحيفة النداء / بتاريخ 30 أغسطس 2007 م

الأربعاء، 25 يوليو 2007

احتقان الجنوب يُعيد اختبار المسلمات الوطنية


ماجد المذحجي
سابقاً كان امتياز "الوحدة" بالنسبة لليمنيين أنها مُجردة ولم تخضع للاختبار. كانت شعاراً مهيمناً يكثف احتياجاً عاطفياً عاماً، وجاذبيته تستمد من كونه مشتهَياً وغير متحقق!
 لقد أنتجت "الوحدة اليمنية" كفكرة حيوية ومهيمنة في التاريخ اليمني الحديث، ضمن سياق الأفكار "القومية" التي عصفت بالعالم العربي منذ أربعينات القرن الماضي، وتشكلت تحت ضغط فكرة الاندماجات والتكتلات التي ميزت العالم بأكمله في تلك الفترة. لم تكن الغاية "يمنية" في ذاتها؛ بمعنى أن تكون الوحدة بين المكونات اليمنية هي السقف و"الأمل كله"، بل كانت "العتبة" فقط، باتجاه الوحدة العربية، كما تؤكد معظم النصوص الإيديولوجية والسياسية اليمنية. ذلك الطموح (الاندماجي القومي الشامل) بالطبع تم خفضه بعد بدء تعثر الفكرة القومية، عقب فشل التجربة المصرية السورية وهزيمة حزيران. (رغم الاحتفاظ بهذا الطموح ضمن النصوص العامة وبشكل مجرد وشعاراتي)، وتم الاكتفاء بالإطار الوطني للوحدة، وتغذيته ضمن مستوى تعويضي لليقين الصامت باستحالة تحقق التوحد القومي (بدرجة أقل، كان التأكيد على التوحد الوطني لحماية الإمكانية "الرمزية" على الوحدة العربية، وعدم استحالتها عبر تقديم نموذج يمني)، وبذلك صارت العتبة سقفاً!
دخلت الوحدة لاحقاً في معلب "المزاودة" على الوطنية بين القوى السياسية المختلفة؛ خصوصاً وأنها تتيح ابتزازاً للجماهير الذين أنشأوا علاقة عاطفية حادة معها، وبدأت تهيمن كمطلبية لهم في مواجهة "السياسيين" الذين احتموا بها، وصعدوها للواجهة باستمرار، لتجنب المطلبيات التنموية بالأساس، أو أي شكل من أشكال المساءلة العامة لهم. يمكن فهم ذلك بالتالي: في المعتاد، وعقب الصراعات المسلحة التي حدثت بين الشطرين الشمالي والجنوبي سابقاً، كان يتم توقيع اتفاقية تتعلق بمشروع الوحدة بينهما. الأمر كان أشبه بجرعة "بنج" للعموم، تخدر أي سؤال حول الضريبة الفادحة التي خلَفها النزاع العسكري بين النظاميين!
عقب تحقق الوحدة اليمنية وقيام الدولة الجديدة، أحيل الانفتاح السياسي والتحول الديمقراطي، الذي ميز العهد الجديد إلى امتياز الوحدة فقط، وكنتيجة فورية لها بالضرورة، لم يكن له أن يكون دونها! وعلى الرغم أن في ذلك شيئاً من الصحة، إلا أن السياق الذي تم فيه التأكيد على إيجابية الجملة السابقة كان إيديولوجياً "فرصاً"، ويتجاهل أن أحد دوافع التحول الجديد، مثلاً، هو إنتاج توازنات بين الشريكين اللدودين (المؤتمر والاشتراكي)، ولحماية ومنح الشرعية للقوى والتحالفات التي أقاموها أو ساندوها قبل الوحدة، كلّ لدى الآخر؛ وبالتالي فإن الأمر ليس خيراً كله!
في مستوى آخر، كان السياق السلمي الذي أنجزت الوحدة "الاندماجية" فيه عام 90، مُعلقاً لـ "خيرية" الوحدة أيضاً. وقسر الشريك السابق دموياً على الوحدة في صيف 1994 كان مُبرراً بها أيضاً! كانت تلك مقدمة ضرورية تفصح بالضرورة عن التناقضات التي يؤدي لها الاستثمار السياسي "الرديء" لفكرة الوحدة، وتكثيف الخلاص بها، بعد أن بدأت تختبر في الواقع وتخضع لمشاكله. ولم يعد يُكتفى الاحتفاء بتحققها، لتوهم إنجاز التنمية أو إنشاء المواطنة المتساوية!
تبدت واحدة من أهم المشاكل التي رافقت الوحدة بصيغتها الاندماجية أنها أهملت "إحساس" الأفراد والمناطق اليمنية بكيانيّتهم، وأنتج التأكيد الدموي اللاحق تغذية لكيانية جهة (شمالية)، وزعزعة لكيانية جهة أخرى (جنوبية). إن التأكيد على المكان كهوية، هو أحد مستويات التعريف المتعاقد عليها ضمن الجغرافيا اليمنية، وهي معطىً مهم يتم من خلاله تمييز الفرد إيجابياً، أو استضعافه؛ كونها أصبحت عنصراً أساسياً في تقييم مستوى القوى المضافة له. ذلك باعتبار المكان مستوى من مستويات السلطة العامة (الاجتماعية والسياسية). إضافة لذلك أصبح المكان عصبية بحد ذاته، عصبية مستقلة عن العصبيات التي توجد في إطار حيزه (القبلية أو المذهبية... الخ)، وتشكل أحد مستويات التضامن بين الأفراد؛ خصوصاً في حال ضعف العصبيات التقليدية. ضمن ذلك يُعرف الجنوبي من خلال المكان، وبالتالي يشعر أن النفي الذي تعرض في 94 تم في إطار هذه الهوية التي تعرفه عموماً، الأمر الذي يُفهم عبره تأكيده على عدم استدعائه لهويته المذهبية مثلاً، لتعريف نفسه؛ باعتبارها هوية جامعة وفضفاضة، ستضمه مع قطاع أوسع، مثل أبناء المناطق الوسطى (تعز وأب)، لا يتعلق بهم النفي والانتهاك الذي حدث له، ولأن هذا الشكل من التعريف "المذهبي" يرتب فرزاً اجتماعياً مختلفاً عن الشكل القائم الذي تم انتهاكه في إطاره.
تجريد "الجنوبي" من تقديره لذاته، وسلبه التعريف الإيجابي الذي يوفره "مكانه" له، أعقبه تجريد من الحماية وامتيازات الشراكة (في الإدارة لجهاز الدولة، والموارد العامة، والجيش... الخ) مع "الشمالي"، وهي الشراكة التي كانت عنصراً أساسياً في تبرير الاندفاع نحو الوحدة، بجوار العنصر العاطفي، حيث لن يشعر "الجنوبي" بالرعب من الإحساس بـ "فراغ السلطة" المفاجئ.
الصيغة السياسية والأمنية التي رتبتها حرب 94، بررت وأتاحت استباحة "الجنوبي" (الخاسر بالعادة، عرضة للفيد في الثقافة اليمنية المضمرة على المستوى المادي والرمزي، حيث يتم استلابه وخفض تمثيله في كافة مستويات الحياة كونه خاسراً، إلى أن يتمكن من إنشاء قوة له تجبر المنتصر على الانتباه له واحترامه) الذي لم يعد معززاً بأي "درع" سياسي أو عسكري أو اجتماعي، يحمي تمثيله العام وموارده ونسق معيشته. وأصبح الموقع الرسمي المحجوز لتمثيل "الجنوبي" (نائب الرئيس، رئيس الحكومة، وزير الدفاع) شكلانياً تماماً، ومفرغاً من أي دور حقيقي، ومولداً للمرارة أكثر؛ كون هذا التمثيل الحاصل الآن في مختلف أجهزة الدولة، والذي يُفترض أن يدل على تمثيل متساوٍ مع "الشمالي"، يصبح تأكيداً على العكس، وغير مرْضٍ أبداً (حيث يصبح "الجنوبي" في أي موقع رسمي مجرد "أراجوز" أو "ديكور"، وفق التداول والتقدير الشعبي القائم، وهو نفس التقدير مثلاً الذي يخص "التعِزّي" في أي موقع رسمي يُمثل فيه. وإن كان لا يسبب نفس قدر المرارة التي يشعر بها "الجنوبي"؛ كون "التعزي" لم يكن يملك "دولة" يشعر بخسارتها، وفقد بسبب ذلك سلطة ونفوذاً وامتيازات متعددة!).
الاحتقان الحاصل في الجنوب الآن، مؤسس على الانخفاض في تمثيله على مستويات متعددة من السلطة، والاستضعاف للتمثيل "القليل" القائم، والتعالي على تقدير الفرد الجنوبي لكيانه بسبب انتمائه لمكان "ضعيف" وغير مؤيد بأي عناصر قوة (يمكن بسهولة رفع الصوت بلهجة "شمالية" في مكان جنوبي تأكيداً على قوة وانتماء أعلى لصاحبه)، والسهولة في "استباحة" حقوقه (الأراضي، والوظائف... الخ)، والتمييز في الفرص لغير صالحه، وممارسات إثبات السلطة عليه (عادةً ثمة مسؤول "شمالي" في المواقع الرسمية المهمة في المحافظات الجنوبية، مثل موقع مدير الأمن العام، أو الأمن السياسي، وقادة الألوية والمحاور العسكرية والمحافظين... الخ).
بذلك يصبح التعامل "المؤقت" مع ماهو حاصل من احتقان في الجنوب، والإدارة الطارئة للازمة ضمن ذهنية أمنية، والاستعلاء "الوطني" على "المطلبيه" الجنوبية لكونها جنوبية، محرضاً على رفع درجة الاحتقان، ويوفر أسباباً عميقة للانفجار. "الوحدة"، كشعار وحاجة وعاطفة وواقع قائم، لا تعني نفي "الجنوبي" والاستعلاء على "الظلم" الحاصل له، كما لا توفر ردود الفعل "العصابية" تجاه "الشمالي" القائمة في الجنوب، والتي لا تميز القائد العسكري عن صاحب البسطة البسيط، مبررات لإنشاء "عصبية" شمالية مقابلة تجاه "الجنوبي"، توفر مبررات أخلاقية مريحة لنزع الوطنية عنه، وعدم الإنصات لقضيته ومشاكله الحقيقية. وليست "الوحدة"، ككلمة مجردة، هي الهدف، بل الإنسان الذي تكفل له هذه "الوحدة" الرخاء والتقدم والإحساس بالمواطنة المتساوية، ولا تصبح مُبرراً لانتهاك حقوقه والتعالي عليه.
نشرت في صحيفة النداء

الخميس، 12 يوليو 2007

عن جذر "الدم" في اليمن، العنف معطى تأسيسي للدولة والمجتمع والسلوك العام!


ماجد المذحجي
لا تغادر العملية الدموية الأخيرة في اليمن ثقافة عنف "أصيلة" في المجتمع، وان كانت تفارق في مستواها "الممانعات" العرفية السائدة التي تعطل الفجور في استخدام العنف بالعادة كما حدث في عملية مأرب. فهو تفجير دموي تأسس على نسق إيديولوجي مستقل عن إطار المنافع والتسويات الذي يوظف فيه العنف المعتاد محلياً.
إن العنف يُبرر في اليمن بشكل تلقائي، ويتم التعايش معه دون قلق، فهو نسق ثقافي مهيمن ويُحترم بشده على المستوى المجتمعي والسياسي، ويبدو كمعطى كثيف الحضور في الحياة العامة. وبشكل ضمني يعتبر احد أشكال التسويات الرائجة التي يلجأ لها الأفراد والمجموعات بالعادة لحماية أنفسهم وللتحصل على الحقوق والرزق! ضمن ذلك الإقرار الواسع له يمكن تفهم حضوره اليومي في الحياة اليمنية، سواء على شكل نزاعات صغيره أو ضمن نزاعات واسعة، وبالتالي عدم وجود ردود فعل "شعبية" ساخطة تجاهه! ولا يبدو حضور الدولة نافياً للعنف، ضمن الافتراض النظري الذي يؤكد أن تواجد السلطة يؤدي إلى تقلص العنف، كونها الجهة الوحيدة التي تحتكر شرعية العنف كما يُفترض، وكونها كمنظومة قوانين، وجهاز لإدارة المصالح العامة، وأداة قمع، تجفف أسباب العنف، وتخفض الاحتياج له. ويبدو الأمر الحاصل هو أن ضعف الدولة وعدم قيامها بوظائفها بشكل عادل وعقلاني يعزز العنف، ويسوغ للناس استخدامه في مواجهتها والاستمرار في إضعافها، وتتشكل مصلحة لهم في حماية هذا الضعف وتكريسه. بالإضافة طبعاً إلى أنه مكون تأسيسي للدولة، واحد أشكال الشرعية "الضمنية" التي تتغذى عليها، وهي أقرت التعايش معه، وتقديم التنازلات والمنافع للمجموعات التي تمتلك نصيباً كبيراً منه، بل وغذت التنازعات بينها في ظل استثمارات سياسية خرقاء من قبلها!

فائض العنف
 على المستوى العمومي يمكن إدراك أننا بلد فائض بالعنف، تمتلئ حياتنا برموزه، وأنشئت اعتماداً عليه أنماط تفكير، وانظمه ثقافية، وقيم عامه، وأصبحت لدينا حساسية خاصة تجاهه. العنف أصيل لدينا، وبالعادة كنا مُصدر أساسي له، وهو شأن يعود ربما إلى أن طاقة العنف لدينا أكبر من قدرتنا على إدارتها محلياً، خصوصاً وان المجتمع انشأ آليات حماية عرفيه تعطل الإفراط في استخدامه لضمان التعايش معه (الأعراف القبلية في ما يخص العنف والقتال على بدائيتها تشكل ضمانه معقولة لتعطيل الاستخدام المفرط للسلاح الشائع بشده، فهي من جهة تعطل الفجور في العنف، ولكنها أيضاً تكفل ديمومته وعدم القضاء عليه، فهو مصدر للتكسب بالنسبة للقبائل، وبناءاً على طاقة العنف لدى القبيلة، ومدى قوتها، يتم تقدير الامتيازات التي تترتب لها من الدولة وموقعها من التحالفات المكونة للسلطة عموماً)، الأمر الذي يرتب فائضاً غير مستخدم محلياً يجد تصريفه في أزمات خارجية ضمن الدوائر القومية والدينية ( العراق، أفغانستان، البوسنة... الخ) يتسول مبررات أيديولوجية كثيرة للدخول فيها (فكرة الجهاد الديني بشكل أساسي)، وكان الارتخاء الأمني للدول التي يذهب لها فائض العنف (يتكثف فائض العنف في اليمن بالعادة بمجموعات من المتطوعين الجهاديين) والتواطؤ الإيديولوجي مع أهدافه من أنظمتها أو جوارها الإقليمي ييسر الأمر كثيراً أمامه. الأمر تغيير، حيث رتبت أحداث 11 أيلول تحولاً في الموقف من العنف على المستوى الدولي والإقليمي، خصوصاً العنف السياسي المؤسس على الإيديولوجية الدينية، وانخفض الاحتياج الأمني والسياسي الذي يستثمره من قبل عدد من الدول (السعودية، باكستان، الولايات المتحدة... الخ)، وبناءاً على ذلك تم التضييق عليه والعمل على محاصرته وتجفيف مصادره. ذلك انعكس على المستوى اليمني، حيث أضحى الاختناق المحلي به عالياً، واكتسب العنف على المستوى المجتمعي صوراً سياسية وإيديولوجية غير معتادة، ومتمرده تجاه الاستخدامات المعتادة محلياً له، وغير مقيدة بالأعراف التي تعطل الفائض منه بالعادة. وكانت لبوسه الإيديولوجية الجديدة تشكل إغراءاً عالياً لأفراد عديدين يمتلكون الكثير من الأسباب لتوسلها للتنفيس عن احتقانهم، خصوصاً في ظل دوله لا تملك الكثير في مواجهة العنف، بسبب ضعفها، ولكونها بالأساس طرف يقوم باستثماره سياسياً في مواجهة خصومها المحليين بشكل غير عاقل، وبدرجة أقل لممارسة الابتزاز السياسي تجاه الدول بغرض التكسب على المنافع منها!

استعادة فائض العنف
إن عودة المتطوعين الجهاديين إلى اليمن، هي بمثابة استعادة الأصل "العنفي" لفرعه، ولكنه يعود نافراً من خصائصه الأساس ومنظومته الثقافية الأولية التي نشأ "عوده" فيها، مكتسباً مؤيدات أعلى تدفعه لاستخدام طاقته لمطابقة نموذجه الإيديولوجي "المكتسب" على الواقع بالقسر الدموي، وهو نموذج يتأسس على فكرة النقاء، ضمن مزاج تطهري حاد، يرى العودة إلى الصواب والأصل "الديني" قائمة على استئصال الفساد "الدنيوي" وعدم التصالح مع عناصره (الدولة والثقافة السياسية والمدنية الحديثة، وكافة أشكال العلاقة والاتصال العصري مع الحضارة)، ولا يخضع للتقنين العرفي للعنف القائم في المجتمع، فهو معطل لرسالته الإيديولوجية، ولكنه يقره بشكل محدود، ويتعامل معه، ويتفهمه، ويتجنب الاصطدام به، كما يستثمره بشكل برجماتي لحماية نفسه لحين تأدية هدفه!

في التمييز بين جيلين
يمكن تمييز الجيل الجديد من المتطوعين الجهاديين الذين عادوا من العراق بشكل أساسي، عن الجيل السابق الذي عاد عقب "تحرير" أفغانستان: حيث كان الجيل الأول ذاهباً للجهاد ضمن غطاء سياسي إقليمي ودولي، شرعن أفعالهم واحتفى بها، ولم تكن الجملة الإيديولوجية المتطرفة ضمن بعدها السياسي المتعارف عليه الان قد نضجت وتشكلت لها ملامح كما الان (الخطاب الإيديولوجي لتنظيم القاعدة تحديداً) وبالتالي انفعالهم بها كان فضفاضاً بالمعنى السياسي، ولم يكن ضمنها مسوغات لخصام عنيف مع نظام الحكم المحلي، رغم الضيق الذي كان يلمس لديهم من المفاسد الدنيوية التي يحميها. الجيل الجديد الذي عاد في الآونة الأخيرة من العراق، أقل تصالحاً وأكثر عنفاً، فلقد تأسس انفعاله الإيديولوجي على الرمزية العالية التي شكلتها هجمات القاعدة في 11 أيلول، وهو شأن تضاعف مع احتلال الولايات المتحدة لأفغانستان، ومن ثم العراق، وكان ذهابه للجهاد في العراق مقيداً تماماً، لا يحظى بمباركة سياسية من أي جهة وتعرض للتضييق الأمني بشدة الأمر الذي يرتب سخطاً تجاه "النظام" وميلاً لتأكيد فكرة "عدم إيمانه" وعمالته (إذا استثنينا التعاطف الجماهيري مع المجاهدين في العراق تحديداً ، فلم يشمل هذا التعاطف من ذهبوا لأفغانستان في المرة الأخيرة، ويعود جذر التعاطف هنا لخلفية قومية حتى وأن كانت متنكرة خلف صيغ دينية).بيئة العنف في العراق كانت حادة للغاية، ولم يكن الخصم مفروزاً ومحدداً بسهولة كما في أفغانستان (الاتحاد السوفيتي سابقاً، والولايات المتحدة حالياً)، بل كان متداخلاً مع خصم أخر، أخذ الصفة المذهبية! إن ذلك يخلق عنفاً أعلى، فالتنازع مع العدو المذهبي أكثر قسوة من التنازع مع "كافر"، ورتبت بيئة النزاع العراقية، التي يسيطر على المساحة الأكبر فيها الخصم المذهبي (الشيعة العراقيين) إضافة للأمريكيين، إحساساً أعلى بالخطر والتوجس، وربى ميل استئصالي أكثر عنفاً لدى "المجاهدين". ذلك كله يتغذى على جملة إيديولوجية جاهزة يوفرها تنظيم القاعدة، وهي جملة تمتلك رؤية سياسية واضحة على بدائيتها. كما أن الخبرات العنفية التي تشكلت في العراق تبدو أكثر دموية، وهذا شأن يعود لأسباب تتعلق بالإحساس بفارق القوة تجاه ضخامة الخصوم الأخريين (الشيعة والأمريكان)، وهو شأن يتم ردمه باستخدام وسائل أكثر دموية بغرض الترويع بشكل أساسي. كل ذلك عاد المتطوعين الجهاديين اليمنيين به: خبرات عنف أعلى وأكثر دموية، إحساس مدمر بالمخاطر والتوجس، وجملة إيديولوجية أكثر تماسكاً وتطرفاً! 

الدولة جهاز عنف
تمارس الدولة في اليمن العنف كأداة السيطرة السياسية الأبرز على الحياة العامة، وكخيار لنفي الخصوم، أو لإضعافهم والوصول إلى تسوية معهم! لقد تأسس النظام السياسي الحديث في الشمال والجنوب على العنف، واعتبر دوماً خياراً باتجاه انجاز السياسة وإدارة تحولاتها. فالنظام الجمهوري في الشمال تأسس على ثورة عنيفة، تغذت شرعيته على الدم "الوطني" المبذول فيها، وكانت الصراعات العنيفة التي أعقبتها فاعل أساسي في التغيرات التي حدثت في السلطة، وعبرها يتم إنشاء الشرعية! ينسحب ذلك على الجنوب، الذي أنجز دولته اعتماداً على ثورة عنيفة ضد الانجليز، ومن ثم كان العنف خلفية للتجاذبات والفرز السياسي والإيديولوجي الذي استغرق تشكيل النظام هناك لهويته واختياراته السياسية. بعد الوحدة كان العنف هو الخيار الذي اعتمد لتسوية الخلاف بين الشريكين الوحدويين، وعبره قام المنتصر بتأكيد سلطته لاحقاً. لا يأخذ العنف صيغة مادية فقط في، بل اعتمد أشكال مختلفة: تلفيق التهم والمحاكمات السياسية للمعارضين والصحفيين أحد مستويات العنف. تفتيت الأحزاب، تغذية النزاعات القبلية، ودعم مجموعات أصولية مُسيطر عليها بغرض ترويع الخصوم، الاختطاف والضرب والمضايقة والتشهير مستوى أخر منه أيضاً. كل ذلك يفصح عن هيمنة العنف على الأجندة السياسية للدولة، وهيمنته على أدوات عملها في الحياة العامة!

إجمالاً هذه المادة هي محاولة لفتح نقاش موسع حول جذور الدم في اليمن، وتجلي العنف في الثقافة والسلوك والسياسة. وهي اعتمدت الحدث الدموي الأخيرة كمفتاح لطرح الفكرة، لكن بحرص على تجنب الاستجابة السياسية الآنية، وميل لتفحص أعمق لطبقات الحدث وخلفيته العامة!

نشر في صحيفة الشارع

الخميس، 7 يونيو 2007

«النداء» تختبر الصمت.. هل يحرر صوت الضحية السياسي من حياده الأخلاقي؟!


ماجد المذحجي
لا نعاني في اليمن من أزمة ضمير تجاه قضايا إنسانية محدده (الاختفاء القسري كمثال لذلك) ونحتمي في المستوى الشائع بالعموميات والتعاطف مع قضايا مجردة يتم في الغالب تنحية أي قياس لها في الواقع، ويكفل الصمت في مستوى آخر التواطؤ على تكميم أي ميل للاعتراف بملفات حقيقية وفتح نقاش حولها. وإجمالاً يغيب فعل الإنصات لـ " الأنين " الصامت للضحايا وعائلاتهم، ولا رغبة لأي جهة كانت بتفحص الكلف الإنسانية المترتبة على ركن قضاياهم في نسيان قاسٍ (لا يحتمي استخدامي لتعبير " أنين " بالبلاغة، رغم تقديري لكونه ترهل وأستنـزف باستخدام متكرر في سياقات متعددة. فهو هنا يصف الحال، حيث يقسر الضحية أو عائلته على الصمت تجاه الانتهاك الحاصل عليه، مجرداً  من الحق بالعدالة والإنصاف، ومسلوباً من الحق في الشكوى، ومختنقاً بما هو الحال عليه).
ضمن هذا التقدير يبدو جهد صحيفة "النداء" شاقاً للغاية، كونها بالعادة لا تغادر الرصانة، وانحازت لما هو مهمل، وهي هنا تحتمل لوحدها عبء المبادرة في فتح ملف الاختفاء القسري، بما يكتنفه من حساسيات متضخمة فعلاً (لا تحتكر الدولة هنا الحساسية والضيق من طرح هذا الملف، بل تتقاسمه مع أفراد ومجموعات سياسية أخرى كانت شريكة أو متواطئة أو شاهدة في الكثير من حالات الاختفاء القسري، في ظروف وفترات مختلفة مرت بها اليمن). وهي مبادرة سترتب على "النداء" مسؤولية والتزاماً أخلاقياً ضاغطاً تجاه أُسر الضحايا بالدرجة الأولى، كما أن في تناولها لموضوع أغلق بإحكام لفترات طويلة ضمن تسوية صامته، تسوية اعتمدت على التواطؤ الضمني لا على التفاهم المعلن، بين مختلف الجهات ذات النصيب فيه، تأسيساً بشكل ساخر على فكرة "داريني وأداريك" مبرراً لتكون عرضه لتقديرات سياسية متعسفة لأطراف مختلفة، يقتصر نظرهم للأمر في العادة على كونه مجرد تعريض بهم، ضمن اشتباه متكرر (ساذج وعدائي أيضاً) بالتوقيت والأسباب والموضوع والنوايا (الريبة والتأويل السيئ للنوايا عنصر ضاغط بشدة على التلقي الأولي لليمني عموماً، وهو شأن يكمن جذره في الضعف والإحساس العالي بالهشاشة)، وبأقل قدر من الانتباه طبعاً لطبيعته الإنسانية الصرفة! ناهيك عن "غيظ" الحكومة التي تريد أن تُعفى من كافة مستويات المسؤولية التي يرتبها ويثيرها هذا الملف الشائك، سواء كانت الوقائع المتعلقة به قد حدثت في الجنوب أم في الشمال، فهي في التلخيص النهائي الوريث الرسمي للنظامين السابقين، وتقع عليها مسؤولية الاستجابة للاستحقاقات الإنسانية والحقوقية المتعلقة بالضحايا وعائلاتهم. بالإضافة إلى أن تعريض هذا الملف للهواء، وجعله متاحاً للحديث العام والمفتوح سيعكر على مساعيها الحثيثة لـ "تنظيف" سمعتها أمام الجهات الدولية. وفي إطار ذلك يأتي الجهد الحكومي المبذول لإغلاق ملف الاختفاء القسري لدى المفوضية السامية لحقوق الإنسان، وهو في أحد مستوياته يستهدف تجنب أي مؤاخذه أو توتر في علاقتها مع مانحين دوليين تقع المسألة الإنسانية والحقوقية في اعتبارهم الحقيقي أثناء تقييمهم لملف الدولة التي ستقدم لها المساعدة، وسبق لليمن أن خاضت اختباراً محرجاً ومؤلماً في ذلك، وتحديداً في قضية سجين الرأي منصور راجح، في ما اشتهر لاحقاً بقرض مقابل شاعر! فضلاً عن محاولة استباق إقرار مشروع اتفاقية دولية جديدة تتعلق بقضايا الاختفاء القسري، وتقف خلفها الأمم المتحدة، بالإمكان أن تتحول إلى عنصر ضغط إضافي، لاحقاً. ولا أجمل – حين إقرارها- من استقبالها بقلب صافٍ، وسجل "مُنظف"!.
في الغالب أيضاً، لدينا قدرة " مفرطة" على التعايش مع الصمت، والاعتياد على "تبريد" ملفات إنسانية ساخنة مثل ملف الاختفاء القسري، وهو شأن ينسجم مع انخفاض الأعباء الأخلاقية التي قد يحدثها هذا الملف ما دام في الظل، ومستوى الحديث عنه –في الحد الأقصى- لا يتجاوز الهمس. كما يأتي انتماء اغلب الحوادث المتعلقة بالاختفاء القسري إلى الماضي (حتى وان كان ماضي قريب كحرب صيف 94، وأحداث 13 يناير86) ليخضعه للفكرة المتعالية: إغلاق ملفات الماضي! وهي فكرة تسوغ لمختلف القوى السياسية اليمنية تجنب "الاصطياد" لبعضها في تاريخ دموي يمني، للكل يد فيه، ويجعلها "مرتاحة" أكثر في علاقتها الآن، وأقل مسؤولية من الناحية الأخلاقية على الأقل.
إن الجمل مبتورة في الخطاب العام، وهي في العموم مجردة، ولا يمكن القياس عليها، والتحقق منها، وجملة حقوق الإنسان المتداولة في "المطالب" أو أثناء الاحتجاج على السلطة، لا يؤسس لها موقعاً أعمق في البني التنظيمية، والاجتماعية، وفي الحياة السياسية عموماً. بحيث ترتب- حال اندماجها- تحويلاً ملموساً في موقف وأداء القوى المختلفة (واخص هنا بالتحديد من احتكموا لمستويات مختلفة من العنف في تاريخهم، فيما بينهم أو في علاقتهم مع الآخريين، مثل الاشتراكي والمؤتمر والإصلاح).
لقد ساهمت القوى المختلفة في أغلب دورات الدم اليمنية، ومنذ أحداث أغسطس 68، وصراع الجبهتين بعد الاستقلال، والقمع الأمني العنيف للقوى اليسارية والوطنية، مروراً بحرب المناطق الوسطى، والانقلاب الناصري في 78، وأحداث 13 يناير 86، وحرب صيف 94، وحروب صعدة المتوالية، وغير ذلك، تناوب الجميع على الإضافة إلى الكلفة الإنسانية المؤلمة والفادحة التي يدفعها اليمنيون، وقابلوا كل ذلك بالصمت الآن، بشكل يعتمد على حياد أخلاقي مخيف ومقرف، لا يهتز أبداً أمام الألم الحاد الذي يرتبه مصير معلق لآلاف الضحايا لم تستطع عائلاتهم الاهتداء.. أو لقبورهم!
إن التحول الديمقراطي الجاري في اليمن (ولست بصدد تقييم كونه حقيقياً، من عدمه هنا) لن يستكمل إلا بإنصاف الضحايا، وتحرير المجتمع من الكراهية المضمرة التي تثقل كاهل الكثير من الفئات، وفتح المجال العام للنقاش تجاه الملفات الدموية التي تم "التصميت" عليها ضمن تسويات متعالية، وتستقوي في الكثير من الأحيان بالشعارات والعموميات الوطنية، رغم كونها ما زالت تعمل بشكل حقيقي على فرز وتقسيم المجتمع بشكل حاد.
العدالة للضحايا ليست فكرة متعالية وفق ما ينظر لها أهل السياسية في تقديرهم البرجماتي السيئ والمستمر، والذي يؤجل الأمر ويحشره دوماً في زاوية ضيقه وبائسة تماما: انتظار نضوج الظروف المناسبة! وهي عدالة يُفترض أن تستقل عن تسوياتهم، وتحتاج إلى قدر كبير من الضمير والانفتاح الشجاع على كل ما حدث، وعلى أدوارهم فيه، بشكل يتجاوز، بردود أفعالهم تجاه مثل هذه القضايا، الاعتذار البروتوكولي -على أهميته باعتباره إقراراً للضحية بالأذى الذي لحقه في أحد المستويات- أو الحياد المفزع.
نشرت في صحيفة النداء

الأربعاء، 6 يونيو 2007

وهن شخصي


ماجد المذحجي
الإحساس المتكرر بالحاجة مؤذي، فهو يفصح عن نصيبك السيء من الحياة، ويبدو بذل الجهد المضاعف الذي تقوم به، مجرد تعذيب للذات؛ كونه لا يرتب أي فوائض يمكن أن تستثمرها لتمارس سلوكاً مترفاً كل حين وآخر. سلوك لا يتعلق أبداً بالأساسيات التي عليك توفيرها بالضرورة لتعيش ضمن الحد الأدنى!
المفزع أن يصبح فقدان الموبايل -مثلاً- مبرراً كافياً لتصديع تماسكك أمام نفسك، كونه يصيبك بالاكتئاب، ويكشف مقدار ضعف مقدراتك على توفير واحد آخر، دون أن يرتب ذلك دين طويل يقتص راتبك بانتظام! الإحساس بالترف ليس شيئاً سيئاً، والتعالي عليه يفصح عن قدرة الواقع الرديء على تدمير الطموح الشخصي.
أشعر بالغضب لكوني كذلك: مهندم، لا يمتلك ما يكفي للمعيشة الكريمة سوى بصعوبة! هل يكفي هذا لتفهم إحساس الكثيرين بالنقمة في هذا البلد، وتبرير ارتفاع معدل الجريمة، والتعاطف مع المتسولين!؟ لاشيء مؤكد سوى إحساسك الشخصي بالتحطم أمام هكذا تفصيل باهت، ولكنه يبدو جوهرياً تماماً بالنسبة لك، مهما كان رأي الآخرين به. ربما الأمر متعلق برغبتك بالشكوى وبالتالي إفساح مجال أمام التكدر للخروج كي لا تختنق به المساحة الداخلية الضيقة بالأساس. التعاطف شأن مهم، وأن يبدي الأخرون رغبة بالاعتناء بأحزانك يخفف من وطئها عليك، وربما ينقذك منها. الخيواني يبدو حاضراً هنا، الإحساس الشخصي بالإنهاك باد عليه، خوض معركة مستمرة دون جدوى شيء يبعث على الحزن بالتأكيد، خصوصاً حين يرتب عليك دفع الضريبة أنت وعائلتك فقط، بينما يجني آخرون امتياز الدفاع عنك كبطل أمام الشاشات وفي الصحف، والتمتع بمكاسب نضال غير مكلف!
لا يحتاج الخيواني سوى لتعاطف صادق، إحساس بالمسؤولية تجاه الحزن الشخصي الفادح، الذي أصابه بأزمة قلبية خفيفة أخيراً في السجن، ولم يدفع ذلك من يقومون على حراسته سوى بأن يدَعوه يتنفس في السطح محروماً من الحق في الطبيب، حتى يتم توسل ذلك من وزير الداخلية نفسه! مؤلم ذلك، وزير داخلية مثقف وحائز على شهادة الدكتوراه في علم محترم كعلم الاجتماع، يستمتع بتحطيم فرد ضعيف، مستعيناً بنفوذه وكل السلطة والتراتبية التي تفصله عن سجاني الخيواني ليسحق حتى رغبتهم بالتعاطف معه! المعرفة تصون الإنسان من شهوة القوة حين التوفر عليها، تهذب علاقته بما يمتلك من قدرات، ولا أعتقد بأن علم الاجتماع يرتب تقوية لنوازع الإنسان نحو العدوان، لكن يبدو أن رتبة لواء، الأمنية، كانت ثقيلة الوطء تماماً على لقب علمي محترم مثل دكتور بحيث تشل فاعليتها هكذا!
لا نمتلك القدرة على المواساة، الضعف ينتظم ضمن "المعاب" اجتماعياً، رغم أن كل ما يحيط بنا يؤدي إلى ذلك. نحن عرضة لقسوة تافهة دوماً، فعليك أن تنكسر باستمرار تجاه إحساسك بالقهر، أو شعورك بالضعف حين لا تجد ما تدفع به الاكتئاب عن نفسك، وضرورة أن تتنكر لكل ذلك بادعاء التماسك أمام الآخرين كي لا يبهت تقديرهم لك!
 فكرة أن تكون قوياً باستمرار متلفه لأعصاب المرء بشدة، تظل منهكاً ومشدوداً دوماً كي توفر الحد الأدنى الذي يكفل لك أن تكون محافظاً على استقلالك، وإثبات كونك غير متهافت، وبمستوى من حولك. الفرد في مجتمع كهذا ضحية حاجته، وعرضة لما يخلفه عجزه أمامها من دمار فيه. يصبح ذلك أفدح حال المسؤولية تجاه آخرين. إن تلبية احتياجهم، والحفاظ على كرامتهم، وحماية صورتك أمامهم، كمحل للامان، تصبح أسباباً لشعورك بالتهالك والألم أمام حاجات ورغبات شخصية صغيرة، لا تستطيع توفيرها لنفسك دون التفكير بمسؤولياتك، وهذا ما يجعلك عرضة دوماً، لإحساس شخصي بالوهن، ويبدو مبرراً لغضب أو اكتئاب مفاجئ لا تفهمه!
نشرت في صحيفة النداء

الخميس، 19 أبريل 2007

في هجاء الإحتياج لمناضل، وربما في وصف الإحتياج له!!


ماجد المذحجي
لفترة طويلة نسبياً من حياتي الشخصية، استهلكني تضخم نموذج المناضل، وتلك المجموعة المتناظرة من التوصيفات، والإحالات، التي تستمد حضورها من قيمته البلاغية المتعالية، ومن تمدده الصوتي، والتي تجد تكثيفاً لها بشكل ما في كلمات مثل: الثوري، والمتمرد، والبطل، والرمز (الوطني، أو القومي، أو الديني، أو الأُممي). بكل الشغف الذي تثيره مُطلقات " رومانسية " حرضها هذا النموذج لديّ، واستولى بها على تقيمي النظري للأشياء، وطبيعة انفعالي بها. مُعزِّزاً بشكل حاد، تعاطفاً مسبقاً، وتلقائياً، مع كل ما ينتمي لحقل هذه القيمة " النضالية "، من مفردات، وأفكار، ومواقف، وتجارب!. وهو تعاطف ينشط بشكل أساسي - وشبه دائم - على حساب الفعالية النقدية للفرد، ويُفرمل أي انتباه، أو تفكير مُستقل، ومتخفف من ثقله؟!.
تغذى هذا النموذج في تجربتي الشخصية -وبشكل ما لدى تجارب الكثيرين، ممن نتشارك في ذات حقول الاهتمام والرغبات- على احتياجي الصامت لتفصيلين: الفرد الايجابي المُبادر تجاه الواقع، وغير المستسلم لرداءته، والملتزم بالسعي لتغييره. وتطابق هذا الفرد مع قيم: الوطنية، والشرف، والنزاهة، والإنكار للذات!. وهما تفصيلان ينتميان بشكل كبير، إلى المآثر القصصية المتواترة، عن الأبطال التاريخين للذاكرة الجماعية، التي يتم سردها، وتثبيتها في وعي الأفراد، عبر مرويات، تاريخية، ودينية، وشعبية، ورسمية متكررة، تم التعاقد على صوابها وحقيقتها، وتم الإجماع القطعي على ضرورتها، وأهمية تعميمها، لتتحول إلى قيمه مرجعية لهم، رغم تعاليها عن واقعهم!. بالإضافة إلى تغذي هذا المناضل على ما أسلفت. اتسعت دائرة التخييل، والتعاطف الشخصية، التي تحمي قيمة هذا المناضل، و" تُزينه " بالنسبة لي، بالإتصال النظري والشخصي مع تجربة اليسار، والتصاقها الحميم بفكرة الثورة، ونموذج التضحية، والتمرد على القيم المحافظة. وتعزيز اليسار لقيمته النظرية، برأسمال رمزي مهم، صاغه بشكل أساسي " مناضلون " مسلحون، دفعوا " دمهم " لتأكيد هذه الرمزية، ويبدو أبرزهم هنا، وأكثرهم إلحاحاً كنموذج لذلك "جيفارا". ولكن بالطبع لا يمكن تجاوز مناضلين " مدنيين "، لم يستخدموا " البندقية "، ولكنهم " بذلوا " الدم، مثل فرج الله الحلو، والمهدي بن بركة، ومحجوب. بالإضافة إلى تميز جملة " اليسار " النضالية بأنها غير عنيفة كلياً، أو مستنده بالخالص إلى تعبيرات القوة، حيث عُمم عن اليسار كثيراً فكرة كونه حاضناً للتعبيرات الثقافية " النخبوية "، ذات الطابع المغامر والمتمرد على القوالب والصيغ السائده. وهذا شأن كان يؤكد عليه، بالإنتماء الكثيف من المثقفين، والفنانين، والمبدعين من كل المستويات له: (مارسيل خليفة، سميح شقير، احمد قعبور، مظفر النواب، صادق جلال العظم، الطيب تيزيني، حسين مروة، مهدي عامل، محمود أمين العالم، سمير أمين، الشيخ إمام، احمد فؤاد نجم، صنع الله إبراهيم، قاسم حداد، فالح عبد الجبار، أميل حبيبي، سعدالله ونوس... الخ). وهو شأن رتب تصور شائع بشكل ما - وفي العالم العربي تحديداً - عن ضرورة كون المثقف يسارياً!. أو أن يكون انتمى لخيارات اليسار، وموقفه السياسي، و الإجتماعي، والثقافي لفترة من حياته؟!. ويحضر هذا الانطباع بشكل ملح، حين يتم تلقي مثقف ذو نبرة اعتراضية واضحة، نافره عن الإجماعات العامه، والسلطوية، ومسكونة بمطلبية تغيرية، حتى وإن كانت غير واقعية في بعض الأحيان، او في الأغلب منها!. حيث يتبادر الشك مباشرة لدى الكثيرين بأنه ذو خلفية، أو هوى يساري؟. وان كان المثقف ذو المزاج الليبرالي حالياً، الذي لم يشكل ارثاً سابقاً في الذاكرة الجماعية، بدأ يُزاحم " اليساري " في هذا التوقع، ويفكك احتكاره لهذا الموقف النقدي من المجتمع، والأفكار، والسياسة. رغم أن أي اقتران قد يحصل بين أي مُثقف والانتماء النظري لليبرالية، ومايستدعيه ذلك الإنتماء من تمايز في المواقف، وطبيعة الرأي في الأحداث، عن ماهو مُعتاد، يخفض من قيمته بالنسبة للطبقة السياسية والثقافية، التي يحتكرها اليساريون، والقوميون، والاسلاميون. وبشكل اقل بالنسبة للعموم. بل و يُشكل مُبرراً مُلحاً في بعض الاحيان - في حال الاختلاف حول الاولويات الوطنية مع " المثقف الليبرالي " - لاتهامه بـ " العماله "، والتواطؤ مع " الاستعمار " و" الامبريالية "؟!، بشكل تعميمي فاسد، مبني على الذعر الأعمى والمرضي من " الغرب ".
ومما ساهم في تعزيز " وصالي " الحميم مع نموذج المناضل، وأفكار الثورة، والمساواة، والعدالة الاجتماعية، وغيرها. أنني انتمي إلى آخر جيل على علاقة - ولو كانت واهنة، ومليئة في بعض مستوياتها بالإرتياب - مع حقب المشاريع الكلية، والنظريات الكبرى والجماعية، والنضال الثوري، والتضامن الأممي بين " المستضعفين "، التي استولت على ثلاثة أرباع القرن الماضي. رغم أننا بالطبع، نعتبر ضمن الحاضرين على أنقاضها تماماً، بالمعنى الحقيقي والزمني، حيث كنا شهود عيان على تفكك الاتحاد السوفيتي، وانهيار المعسكر الشرقي ومنظومته الاشتراكية، وعلى أفكار صادمة مثل " نهاية التاريخ "، وتزعز نموذج الدولة القومية، وتلاشي حدودها، ورأينا الحضور الاجنبي المسلح والكثيف في المنطقة العربية، في حرب الخليج الثانية 1991م، وفي السنوات التالية لها، بشكل مُعلن لأول مرة، منذ نهاية حقبة الغستقلال في عقد الستينات، و، و، و.. الخ!. إلا أن حضوره الرمزي (أي المناضل) كان مازال فاعلاً في الكثير من التفاصيل على المستوى النفسي واليومي. حيث كنا قريبين من التجربة الشخصية المباشرة - ذات البعد النضالي، بحسها الإعتراضي والبلاغي والرومانسي العالي - لجيلين، أو ثلاثة أجيال سبقونا، وتفاعلوا مع هذه المشاريع والنظريات بحدة. بكل ما يتركه ضغط هذه التجربة من إرث عاطفي، وذكريات متباينة عنها، ومواقف سلبية وإيجابية. وبنموذجهم الشخصي والنفسي الملفت، والمتغاير عن قياس اجتماعي موحد لنموذج الفرد، وبتباينات محدودة فيه!. وطبعاً، بكل الإغراء " النضالي " المحبب فيه لنا، خصوصاً في فترة المراهقة المليئة بالاندفاع، والمشدوهة أمام فكرة المغامرة، والإعتراض على المجتمع، والأسرة، والتدين، والتربية المحافظة. وهو الشأن الذي ضغط بشكل كبير على تصورنا " الذهني " للفرد الذي نريد أن نكونه. وساهم أيضاً، وبشكل كبير، في صياغة موقفنا من العالم، ونمط تفكيرنا، وأشكال استجاباتنا، وطبيعة المفاضلات والإختيارات التي كنا نجريها. ورتب لاحقاً انتماء سياسياً - عاطفياً وليس تنظيمياً، فلم نمتلك الجرأة على ذلك في أول الأمر، نتيجة العديد من العوامل الأسرية والعامة! - محكوماً بضرورة الانتماء للحزب الأكثر " ازدحاماً " بالمناضلين، والذي يسوق نفسه بشكل غير مُعلن اعتماداً على هذا الرأسمال المغري لفكرة النضال، والذي يحتكر الحق فيه، وفي قيمته الأخلاقية في المجال الرمزي، والمجال السياسي (يُمكن استحضار الحزب الاشتراكي اليمني، والتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، كأبرز فاعلين يتنافسان على استثمار النضال، وأدبياته، ورمزيته في المجال العام،استناداً إلى تجربتهم " التاريخية " في العمل السياسي، والأيديولوجي، والثقافي، ضمن نشاطهم في مواجهة السلطة في شمال اليمن قبل الوحدة -بالطبع ليس الحزب الاشتراكي بمجمله، بل تحديداً الامتدادات التنظيمية السرية منه في الشمال- والتي تضمنت تعميداً للنضالية بضريبة الدم. (وهي ضريبة شديدة الفعالية في تعزيز قيمة نضالهم، وتأكيد مصداقيته).
هذا الانتماء العاطفي للسياسي، وغير الملتزم تنظيمياً في الكثير من الأحيان، كان في أحد مستوياته رغبة في الانتماء لأب أيديولوجي خيّر، وإيجابي، ومتعاطف مع نزقنا وتمردنا، يُحرر الفرد " المراهق " الذي كنا، من " كراهيته " للأب البيولوجي، المحافظ والمهزوم في تجربته السياسية أو الحياتية، والذي قمع نزقنا واعتراضاتنا، سواء بالرعب الذي يحمله من السياسة، أم لتفضيلات براجماتيه دائمة الإلحاح عليه، وطويلة الأمد، ربما يُفسد هذا النزق، والتمرد غير " العاقل " حدوثها، وبالتالي التكسب منها؟!. ولهذا سيصبح نموذج الأب الإيديولوجي " المناضل " في الحزب، ذلك الأب الذي لم ترعبه السياسة، أو تهزمه ضريبتها الأمنية، والاقتصادية، والاجتماعية - في مستوى ما فقط لم تُرعبه، وليس بشكل مُطلق، فمامن فرد في هذا المجتمع لم يُصبه شيء من الذعر، ويُفسد اطمئنانه، بسبب المطرقه الأمنيه المتوحشه، التي هشمت الصيغة الوطنية في الجنوب والشمال، خصوصاً في عقدي السبعينات والثمانينات - والذي كنا مأسورين بنموذجه. هو تعويض عن الأب البيولوجي الذي حاصر شغبنا، وحيويتنا، وحرس علاقتنا معه بحذره، وتقريعه القاسي المتواصل. كما أن إعادة إنتاجه للمؤسسة والفرد الأمني اللذين قمعاه، والتسلط الاجتماعي المحافظ الذي حاصره سابقاً، وأفسدا تطلعاته حينها، واحتكاره القطعي أيضاً لفكرة الصواب، وهو الإحتكار المحمي في جزء منه بالتأديب والقمع النفسي المتكرر في مواجهتنا، خربت علاقتنا معه، وعززت ذعرنا منه، ونفورنا من تقييماته، وعواطفه في بعض الأحيان!.
كان الأب البيولوجي أباً مُنفراً ومتسلطاً (بالنسبة لتلك المرحلة من المراهقة)، استعار الكثير من الأدوات القمعية للسلطة في إطار ما يظنها التربية الأسلم لنا، وتناغم بذلك مع كل ما كنا نظنه سلبياً، او هو كذلك بالفعل سلبي، ولم يستطع في الكثير من الأحيان تفهم احتياجاتنا البسيطه، أو الإنصات لها، كان مسكوناً بالصرامه، وبضرورة أن نتخلص من " سذاجتنا "، و" بلاهتنا "، وهو شأن سحقنا بالمعنى النفسي، وجعلنا هشين وضعفاء، مُربكين أمام الحياة، وخائفين منها، وهو أمر على نحو ما، وخارج إرادة هذا الاب البيولوجي، عزز من ولعنا بفكرة المناضل، واحتياجنا لها، لترميم ضعفنا بها، وتجاوز الواقع المحاصرين بإحساسنا بالهشاشة أمامه، نحو ذلك الرمز المطلق و " السوبر " الذي يُمثله المناضل والثوري!
نشرت في صحيفة النداء
http://www.alnedaa.net/index.php?action=showDetails&id=1082