الأربعاء، 6 يونيو 2007

وهن شخصي


ماجد المذحجي
الإحساس المتكرر بالحاجة مؤذي، فهو يفصح عن نصيبك السيء من الحياة، ويبدو بذل الجهد المضاعف الذي تقوم به، مجرد تعذيب للذات؛ كونه لا يرتب أي فوائض يمكن أن تستثمرها لتمارس سلوكاً مترفاً كل حين وآخر. سلوك لا يتعلق أبداً بالأساسيات التي عليك توفيرها بالضرورة لتعيش ضمن الحد الأدنى!
المفزع أن يصبح فقدان الموبايل -مثلاً- مبرراً كافياً لتصديع تماسكك أمام نفسك، كونه يصيبك بالاكتئاب، ويكشف مقدار ضعف مقدراتك على توفير واحد آخر، دون أن يرتب ذلك دين طويل يقتص راتبك بانتظام! الإحساس بالترف ليس شيئاً سيئاً، والتعالي عليه يفصح عن قدرة الواقع الرديء على تدمير الطموح الشخصي.
أشعر بالغضب لكوني كذلك: مهندم، لا يمتلك ما يكفي للمعيشة الكريمة سوى بصعوبة! هل يكفي هذا لتفهم إحساس الكثيرين بالنقمة في هذا البلد، وتبرير ارتفاع معدل الجريمة، والتعاطف مع المتسولين!؟ لاشيء مؤكد سوى إحساسك الشخصي بالتحطم أمام هكذا تفصيل باهت، ولكنه يبدو جوهرياً تماماً بالنسبة لك، مهما كان رأي الآخرين به. ربما الأمر متعلق برغبتك بالشكوى وبالتالي إفساح مجال أمام التكدر للخروج كي لا تختنق به المساحة الداخلية الضيقة بالأساس. التعاطف شأن مهم، وأن يبدي الأخرون رغبة بالاعتناء بأحزانك يخفف من وطئها عليك، وربما ينقذك منها. الخيواني يبدو حاضراً هنا، الإحساس الشخصي بالإنهاك باد عليه، خوض معركة مستمرة دون جدوى شيء يبعث على الحزن بالتأكيد، خصوصاً حين يرتب عليك دفع الضريبة أنت وعائلتك فقط، بينما يجني آخرون امتياز الدفاع عنك كبطل أمام الشاشات وفي الصحف، والتمتع بمكاسب نضال غير مكلف!
لا يحتاج الخيواني سوى لتعاطف صادق، إحساس بالمسؤولية تجاه الحزن الشخصي الفادح، الذي أصابه بأزمة قلبية خفيفة أخيراً في السجن، ولم يدفع ذلك من يقومون على حراسته سوى بأن يدَعوه يتنفس في السطح محروماً من الحق في الطبيب، حتى يتم توسل ذلك من وزير الداخلية نفسه! مؤلم ذلك، وزير داخلية مثقف وحائز على شهادة الدكتوراه في علم محترم كعلم الاجتماع، يستمتع بتحطيم فرد ضعيف، مستعيناً بنفوذه وكل السلطة والتراتبية التي تفصله عن سجاني الخيواني ليسحق حتى رغبتهم بالتعاطف معه! المعرفة تصون الإنسان من شهوة القوة حين التوفر عليها، تهذب علاقته بما يمتلك من قدرات، ولا أعتقد بأن علم الاجتماع يرتب تقوية لنوازع الإنسان نحو العدوان، لكن يبدو أن رتبة لواء، الأمنية، كانت ثقيلة الوطء تماماً على لقب علمي محترم مثل دكتور بحيث تشل فاعليتها هكذا!
لا نمتلك القدرة على المواساة، الضعف ينتظم ضمن "المعاب" اجتماعياً، رغم أن كل ما يحيط بنا يؤدي إلى ذلك. نحن عرضة لقسوة تافهة دوماً، فعليك أن تنكسر باستمرار تجاه إحساسك بالقهر، أو شعورك بالضعف حين لا تجد ما تدفع به الاكتئاب عن نفسك، وضرورة أن تتنكر لكل ذلك بادعاء التماسك أمام الآخرين كي لا يبهت تقديرهم لك!
 فكرة أن تكون قوياً باستمرار متلفه لأعصاب المرء بشدة، تظل منهكاً ومشدوداً دوماً كي توفر الحد الأدنى الذي يكفل لك أن تكون محافظاً على استقلالك، وإثبات كونك غير متهافت، وبمستوى من حولك. الفرد في مجتمع كهذا ضحية حاجته، وعرضة لما يخلفه عجزه أمامها من دمار فيه. يصبح ذلك أفدح حال المسؤولية تجاه آخرين. إن تلبية احتياجهم، والحفاظ على كرامتهم، وحماية صورتك أمامهم، كمحل للامان، تصبح أسباباً لشعورك بالتهالك والألم أمام حاجات ورغبات شخصية صغيرة، لا تستطيع توفيرها لنفسك دون التفكير بمسؤولياتك، وهذا ما يجعلك عرضة دوماً، لإحساس شخصي بالوهن، ويبدو مبرراً لغضب أو اكتئاب مفاجئ لا تفهمه!
نشرت في صحيفة النداء

الخميس، 19 أبريل 2007

في هجاء الإحتياج لمناضل، وربما في وصف الإحتياج له!!


ماجد المذحجي
لفترة طويلة نسبياً من حياتي الشخصية، استهلكني تضخم نموذج المناضل، وتلك المجموعة المتناظرة من التوصيفات، والإحالات، التي تستمد حضورها من قيمته البلاغية المتعالية، ومن تمدده الصوتي، والتي تجد تكثيفاً لها بشكل ما في كلمات مثل: الثوري، والمتمرد، والبطل، والرمز (الوطني، أو القومي، أو الديني، أو الأُممي). بكل الشغف الذي تثيره مُطلقات " رومانسية " حرضها هذا النموذج لديّ، واستولى بها على تقيمي النظري للأشياء، وطبيعة انفعالي بها. مُعزِّزاً بشكل حاد، تعاطفاً مسبقاً، وتلقائياً، مع كل ما ينتمي لحقل هذه القيمة " النضالية "، من مفردات، وأفكار، ومواقف، وتجارب!. وهو تعاطف ينشط بشكل أساسي - وشبه دائم - على حساب الفعالية النقدية للفرد، ويُفرمل أي انتباه، أو تفكير مُستقل، ومتخفف من ثقله؟!.
تغذى هذا النموذج في تجربتي الشخصية -وبشكل ما لدى تجارب الكثيرين، ممن نتشارك في ذات حقول الاهتمام والرغبات- على احتياجي الصامت لتفصيلين: الفرد الايجابي المُبادر تجاه الواقع، وغير المستسلم لرداءته، والملتزم بالسعي لتغييره. وتطابق هذا الفرد مع قيم: الوطنية، والشرف، والنزاهة، والإنكار للذات!. وهما تفصيلان ينتميان بشكل كبير، إلى المآثر القصصية المتواترة، عن الأبطال التاريخين للذاكرة الجماعية، التي يتم سردها، وتثبيتها في وعي الأفراد، عبر مرويات، تاريخية، ودينية، وشعبية، ورسمية متكررة، تم التعاقد على صوابها وحقيقتها، وتم الإجماع القطعي على ضرورتها، وأهمية تعميمها، لتتحول إلى قيمه مرجعية لهم، رغم تعاليها عن واقعهم!. بالإضافة إلى تغذي هذا المناضل على ما أسلفت. اتسعت دائرة التخييل، والتعاطف الشخصية، التي تحمي قيمة هذا المناضل، و" تُزينه " بالنسبة لي، بالإتصال النظري والشخصي مع تجربة اليسار، والتصاقها الحميم بفكرة الثورة، ونموذج التضحية، والتمرد على القيم المحافظة. وتعزيز اليسار لقيمته النظرية، برأسمال رمزي مهم، صاغه بشكل أساسي " مناضلون " مسلحون، دفعوا " دمهم " لتأكيد هذه الرمزية، ويبدو أبرزهم هنا، وأكثرهم إلحاحاً كنموذج لذلك "جيفارا". ولكن بالطبع لا يمكن تجاوز مناضلين " مدنيين "، لم يستخدموا " البندقية "، ولكنهم " بذلوا " الدم، مثل فرج الله الحلو، والمهدي بن بركة، ومحجوب. بالإضافة إلى تميز جملة " اليسار " النضالية بأنها غير عنيفة كلياً، أو مستنده بالخالص إلى تعبيرات القوة، حيث عُمم عن اليسار كثيراً فكرة كونه حاضناً للتعبيرات الثقافية " النخبوية "، ذات الطابع المغامر والمتمرد على القوالب والصيغ السائده. وهذا شأن كان يؤكد عليه، بالإنتماء الكثيف من المثقفين، والفنانين، والمبدعين من كل المستويات له: (مارسيل خليفة، سميح شقير، احمد قعبور، مظفر النواب، صادق جلال العظم، الطيب تيزيني، حسين مروة، مهدي عامل، محمود أمين العالم، سمير أمين، الشيخ إمام، احمد فؤاد نجم، صنع الله إبراهيم، قاسم حداد، فالح عبد الجبار، أميل حبيبي، سعدالله ونوس... الخ). وهو شأن رتب تصور شائع بشكل ما - وفي العالم العربي تحديداً - عن ضرورة كون المثقف يسارياً!. أو أن يكون انتمى لخيارات اليسار، وموقفه السياسي، و الإجتماعي، والثقافي لفترة من حياته؟!. ويحضر هذا الانطباع بشكل ملح، حين يتم تلقي مثقف ذو نبرة اعتراضية واضحة، نافره عن الإجماعات العامه، والسلطوية، ومسكونة بمطلبية تغيرية، حتى وإن كانت غير واقعية في بعض الأحيان، او في الأغلب منها!. حيث يتبادر الشك مباشرة لدى الكثيرين بأنه ذو خلفية، أو هوى يساري؟. وان كان المثقف ذو المزاج الليبرالي حالياً، الذي لم يشكل ارثاً سابقاً في الذاكرة الجماعية، بدأ يُزاحم " اليساري " في هذا التوقع، ويفكك احتكاره لهذا الموقف النقدي من المجتمع، والأفكار، والسياسة. رغم أن أي اقتران قد يحصل بين أي مُثقف والانتماء النظري لليبرالية، ومايستدعيه ذلك الإنتماء من تمايز في المواقف، وطبيعة الرأي في الأحداث، عن ماهو مُعتاد، يخفض من قيمته بالنسبة للطبقة السياسية والثقافية، التي يحتكرها اليساريون، والقوميون، والاسلاميون. وبشكل اقل بالنسبة للعموم. بل و يُشكل مُبرراً مُلحاً في بعض الاحيان - في حال الاختلاف حول الاولويات الوطنية مع " المثقف الليبرالي " - لاتهامه بـ " العماله "، والتواطؤ مع " الاستعمار " و" الامبريالية "؟!، بشكل تعميمي فاسد، مبني على الذعر الأعمى والمرضي من " الغرب ".
ومما ساهم في تعزيز " وصالي " الحميم مع نموذج المناضل، وأفكار الثورة، والمساواة، والعدالة الاجتماعية، وغيرها. أنني انتمي إلى آخر جيل على علاقة - ولو كانت واهنة، ومليئة في بعض مستوياتها بالإرتياب - مع حقب المشاريع الكلية، والنظريات الكبرى والجماعية، والنضال الثوري، والتضامن الأممي بين " المستضعفين "، التي استولت على ثلاثة أرباع القرن الماضي. رغم أننا بالطبع، نعتبر ضمن الحاضرين على أنقاضها تماماً، بالمعنى الحقيقي والزمني، حيث كنا شهود عيان على تفكك الاتحاد السوفيتي، وانهيار المعسكر الشرقي ومنظومته الاشتراكية، وعلى أفكار صادمة مثل " نهاية التاريخ "، وتزعز نموذج الدولة القومية، وتلاشي حدودها، ورأينا الحضور الاجنبي المسلح والكثيف في المنطقة العربية، في حرب الخليج الثانية 1991م، وفي السنوات التالية لها، بشكل مُعلن لأول مرة، منذ نهاية حقبة الغستقلال في عقد الستينات، و، و، و.. الخ!. إلا أن حضوره الرمزي (أي المناضل) كان مازال فاعلاً في الكثير من التفاصيل على المستوى النفسي واليومي. حيث كنا قريبين من التجربة الشخصية المباشرة - ذات البعد النضالي، بحسها الإعتراضي والبلاغي والرومانسي العالي - لجيلين، أو ثلاثة أجيال سبقونا، وتفاعلوا مع هذه المشاريع والنظريات بحدة. بكل ما يتركه ضغط هذه التجربة من إرث عاطفي، وذكريات متباينة عنها، ومواقف سلبية وإيجابية. وبنموذجهم الشخصي والنفسي الملفت، والمتغاير عن قياس اجتماعي موحد لنموذج الفرد، وبتباينات محدودة فيه!. وطبعاً، بكل الإغراء " النضالي " المحبب فيه لنا، خصوصاً في فترة المراهقة المليئة بالاندفاع، والمشدوهة أمام فكرة المغامرة، والإعتراض على المجتمع، والأسرة، والتدين، والتربية المحافظة. وهو الشأن الذي ضغط بشكل كبير على تصورنا " الذهني " للفرد الذي نريد أن نكونه. وساهم أيضاً، وبشكل كبير، في صياغة موقفنا من العالم، ونمط تفكيرنا، وأشكال استجاباتنا، وطبيعة المفاضلات والإختيارات التي كنا نجريها. ورتب لاحقاً انتماء سياسياً - عاطفياً وليس تنظيمياً، فلم نمتلك الجرأة على ذلك في أول الأمر، نتيجة العديد من العوامل الأسرية والعامة! - محكوماً بضرورة الانتماء للحزب الأكثر " ازدحاماً " بالمناضلين، والذي يسوق نفسه بشكل غير مُعلن اعتماداً على هذا الرأسمال المغري لفكرة النضال، والذي يحتكر الحق فيه، وفي قيمته الأخلاقية في المجال الرمزي، والمجال السياسي (يُمكن استحضار الحزب الاشتراكي اليمني، والتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، كأبرز فاعلين يتنافسان على استثمار النضال، وأدبياته، ورمزيته في المجال العام،استناداً إلى تجربتهم " التاريخية " في العمل السياسي، والأيديولوجي، والثقافي، ضمن نشاطهم في مواجهة السلطة في شمال اليمن قبل الوحدة -بالطبع ليس الحزب الاشتراكي بمجمله، بل تحديداً الامتدادات التنظيمية السرية منه في الشمال- والتي تضمنت تعميداً للنضالية بضريبة الدم. (وهي ضريبة شديدة الفعالية في تعزيز قيمة نضالهم، وتأكيد مصداقيته).
هذا الانتماء العاطفي للسياسي، وغير الملتزم تنظيمياً في الكثير من الأحيان، كان في أحد مستوياته رغبة في الانتماء لأب أيديولوجي خيّر، وإيجابي، ومتعاطف مع نزقنا وتمردنا، يُحرر الفرد " المراهق " الذي كنا، من " كراهيته " للأب البيولوجي، المحافظ والمهزوم في تجربته السياسية أو الحياتية، والذي قمع نزقنا واعتراضاتنا، سواء بالرعب الذي يحمله من السياسة، أم لتفضيلات براجماتيه دائمة الإلحاح عليه، وطويلة الأمد، ربما يُفسد هذا النزق، والتمرد غير " العاقل " حدوثها، وبالتالي التكسب منها؟!. ولهذا سيصبح نموذج الأب الإيديولوجي " المناضل " في الحزب، ذلك الأب الذي لم ترعبه السياسة، أو تهزمه ضريبتها الأمنية، والاقتصادية، والاجتماعية - في مستوى ما فقط لم تُرعبه، وليس بشكل مُطلق، فمامن فرد في هذا المجتمع لم يُصبه شيء من الذعر، ويُفسد اطمئنانه، بسبب المطرقه الأمنيه المتوحشه، التي هشمت الصيغة الوطنية في الجنوب والشمال، خصوصاً في عقدي السبعينات والثمانينات - والذي كنا مأسورين بنموذجه. هو تعويض عن الأب البيولوجي الذي حاصر شغبنا، وحيويتنا، وحرس علاقتنا معه بحذره، وتقريعه القاسي المتواصل. كما أن إعادة إنتاجه للمؤسسة والفرد الأمني اللذين قمعاه، والتسلط الاجتماعي المحافظ الذي حاصره سابقاً، وأفسدا تطلعاته حينها، واحتكاره القطعي أيضاً لفكرة الصواب، وهو الإحتكار المحمي في جزء منه بالتأديب والقمع النفسي المتكرر في مواجهتنا، خربت علاقتنا معه، وعززت ذعرنا منه، ونفورنا من تقييماته، وعواطفه في بعض الأحيان!.
كان الأب البيولوجي أباً مُنفراً ومتسلطاً (بالنسبة لتلك المرحلة من المراهقة)، استعار الكثير من الأدوات القمعية للسلطة في إطار ما يظنها التربية الأسلم لنا، وتناغم بذلك مع كل ما كنا نظنه سلبياً، او هو كذلك بالفعل سلبي، ولم يستطع في الكثير من الأحيان تفهم احتياجاتنا البسيطه، أو الإنصات لها، كان مسكوناً بالصرامه، وبضرورة أن نتخلص من " سذاجتنا "، و" بلاهتنا "، وهو شأن سحقنا بالمعنى النفسي، وجعلنا هشين وضعفاء، مُربكين أمام الحياة، وخائفين منها، وهو أمر على نحو ما، وخارج إرادة هذا الاب البيولوجي، عزز من ولعنا بفكرة المناضل، واحتياجنا لها، لترميم ضعفنا بها، وتجاوز الواقع المحاصرين بإحساسنا بالهشاشة أمامه، نحو ذلك الرمز المطلق و " السوبر " الذي يُمثله المناضل والثوري!
نشرت في صحيفة النداء
http://www.alnedaa.net/index.php?action=showDetails&id=1082

الخميس، 5 أبريل 2007

الاستثمار السياسي للتكفير


ماجد المذحجي
أيقظ " التكفير " الديني الاخير، الذي بادر به الشيخ/ عبدالملك التاج، نائب رئيس قسم التزكية في جامعة الايمان، لمجموعة من الناشطين (امل الباشا، ومحمد المتوكل، والوادعي، وغيرهم) ذعراً صامتاً وحاداً لدى كثيرين، يخشون تماماً استعادة " زمن " مُثقل بالحراسة " الدينية " للفضاء العام، ضمن توظيف سياسي "سلطوي"، يُحاصر الفعالية المدنية والسياسية والثقافية - ذات الصيغة المطلبية والتغييرية - للافراد، والمنظمات، والاحزاب، بهذه الادوات الخطرة، وغيرها، والتي منها هذا الاستدعاء المفاجئ لأدوار " التكفيريين " الذين صمتوا لوقت معقول، ولظروف كثيرة (منها الانتباه المتزايد تجاههم منذ مقتل جارالله عمر، والعين الامنية الامريكية التي تتفحص تحركاتهم، وصلاتهم التنظيمية، أو الايديولوجية، مع القاعدة). بالاضافة طبعاً للتضييق الامني المتكرر، الخارج عن القانون، ومُصادرة الرأي المختلف، معنوياً وقانونياً، بسهولة " مُزعجة " يُتيحها الاحتكار السلطوي لتوصيفات الوطنية، والانتماء، والشرعية.. ولمؤسسات الدولة أيضاً!!.
لا يُغادر هذا الفعل ما هو مُعتاد من " سلطة " تعتمد تعميم " المخاوف " لضبط المجتمع، وتستثمر هشاشة الوعي العام، واستيلاءها على كافة المنابر المهمة (التلفزيون، والاذاعة، والصحف، والمدارس، والمساجد.. الخ) التي تصل إليه، وتصيغ ملامحه، لتأكيد مقولتها وشرعيتها فقط، ونفي مقولات الاخرين، وشرعيتهم بشراسة!!. ولذلك، وعلى اهمية تعزيز الاعتراض عليها (سلوكيات النظام)، لا يجب تفويت الانتباه لمخاطر خلايا التكفير النائمة، والتي تتغذى على التواطؤ الرسمي معها، الذي يُهمل برعونه بالغة، مخاطر هكذا سياسة، وتوظيف امني، يفتقر لبعد النظر، والذي يتنافى أيضاً، مع التكرار " الدعائي " المُعلن للجمهور، والخارج، بخصومته مع هكذا مجموعات، وسعيه للقضاء عليها!!. ويبدو ان تخفف " الاصلاح " من النبرة الايديولوجية العالية، وتحوله نحو حزب سياسي براجماتي، أكد على تخليه عن الوظيفة " التكفيرية " التي كان النظام يركن بها إليه، في مواجهة الاعتراضات المدنية والسياسية عليه، دفع به (أي النظام) إلى حماية " المجموعات " و"الرموز" المتطرفة، التي تُسلم قيادها إليه - في مستوى مُعين، حيث لا يُمكن التأكد من ذلك دوماً، وهنا تكمن الخطورة - ضمن تأصيل شرعي لديها، يقول بالخضوع للسطان، وعدم الخصومة معه، والاستجابة لاوامره، ونواهيه!!.
كان الموقع الذي صدر منه التكفير الاخير - والمعتاد - هو جامعة الايمان، التي يقف على رأسها الشيخ/ عبدالمجيد الزنداني، رئيس مجلس شورى الاصلاح، السابق. وهي الجامعة التي تعتمد نظاماً تعليمياً دينياً تقليدياً، يؤصل للتفسيرات المتشددة للشريعة الاسلامية، ويخفض الاستجابة للعقل فيما يخص الدين والتدين، ضمن موقف عدائي من التعليم الحديث، والثقافة المعاصرة، ويؤكد على الاكتفاء بالماضي، والمطلقات، والتقشف في التفكير، للتعامل مع الحياة، وفهمها، والاستجابة لتحدياتها، والتعامل مع مخاطرها. وتنتج دورة " التعليم " الصارمة والبدائية فيها افراداً مسلوبين لايديولوجيا " سلفية "، مُفخخة بتطرف حاد، وينظرون لكل ما لا يتطابق مع تفسيرهم الديني بتجهم وعدائية، ويقسمون العالم إلى منطقتين منفصلتين تماماً ولا تتصلان: دار كفر، ودار ايمان!! (لا تلتزم الجامعة بأي أنظمة ومعايير حديثة في التعليم والتقييم أبداً، فهي تدرس الطالب سبع سنوات، وتمنحه لقب: شيخ، بدون وجود أي معايير اكاديمية واضحة، من تلك الملتزم بها في كل جامعات العالم، وتم تعطيل محاولة وزارة التعليم العالي الاشراف عليها بتدخل سياسي غير مُعلن، وذلك ضمن الاستثمارات، واوراق الضغط التي يلوح بها النظام تجاهها، وقت ما شاء، لا نتزاع أي مواقف منها، ومن الزنداني تحديداً). كما تؤكد المخرجات الايديولوجية للجامعة، وافرادها، ان الانقياد لا يتم سوى لفئتين، هما: العلماء، وأولي الامر. طبعاً " العالم " لا تتحقق له هذه الصفة، إلا ضمن شرطهم ونموذجهم الايديولوجي، وهو هنا يحضر في المثال الاعلى، المُكثف في الشيخ/ عبدالمجيد الزنداني، بمنبريته، واستغراقه في قياس ايمان الناس من كفرهم، كما حدث أخيراً في منحه شهادة " الايمان " للدكتور/ ياسين سعيد نعمان، امين عام الحزب الاشتراكي، بعد طول تشكك فيه!!
وانشئت هذه الجامعة ضمن مجموعة من الوظائف: حراسة موقع "الوهابية " في اليمن، وتعزيز تمددها، في مقابل المجموعات المذهبية الاخرى، بالاضافة إلى توفيرها تغذية لنزوع الزنداني للتمدد في المجتمع، لتأكيد مقولاته، وتعميم افكاره، ونموذجه الديني، ودفع الاستغراق الجماهيري به كـ " نجم " حتى الحد الاقصى. بالاضافة إلى كونها تُمكنه من موقع مُقابل، ومُسيطر عليه، في مواجهة الاخوان المسلمين، ضمن التنافس "الحاد" والصامت بينهما على التحكم بالحركة الاسلامية (التنافس الممتد منذ بداية الثمانينات، بينه وبين المجموعة التنظيمية الملتزمة من الاخوان، التي يقف على رأسها الشيخ/ ياسين عبدالعزيز القباطي، والمؤمنة بالنموذج الحركي والتنظيمي التقليدي للاخوان، وفق الاصل المصري، والتي تُعادي رغبته واصراره على تحويل الجماعة إلى تنظيم " جماهيري " مفتوح، يعتمد على الرموز الدينيين، أكثر من الالتزام التنظيمي الصارم، وشديد الفعالية، بين اعضاء مُنضبطين) وهي كانت توفر له انصاراً مُخلصين وكثر، في هيئات " الاصلاح " يدعمون موقعه القيادي فيه (الموقع الرمزي، أكثر من كونه تنظيمياً الآن، بعد " هزيمته " الضمنية في مؤتمر الاصلاح الاخير)، ويحافظون على حضور مدرسته السلفية، جوار المدرسة الاخوانية " المنافسة " في ايديولوجيا الاصلاح، في حال مُغادرته!؟.
تبدو جامعة الايمان وفق ذلك - ووفق الاتهامات الدولية والمحلية أيضاً - معقلاً حقيقاً للفكر الاصولي المتطرف، الذي يُشكل " الزوادة " الايديولوجية التكفيرية للارهابيين. وضمناً ينهض القائمون على التدريس فيها، بدور "التأصيل " الشرعي لفكرة (الفئة الناجية) في مواجهة " الهالكين " من الكفرة، والعلمانيين، والمرتدين. وتقدير من يقع في أي من الجهتين، بشكل يفرز المجتمع، وحاملي الافكار، بسهولة امام أي متطرف متحمس، لحماية الدين والحفاظ على " اسلام " الناس، سيُبادر إلى تصفية " الخطر " و حامله المرتد، وبشكل يوفر عليه التعب والاجتهاد!. وهذا الشأن يبدو كسيناريو، مُتطابق مع ما يقود إليه التكفير الصريح من قبل الشيخ/ عبد الملك التاج، في مقاله (المنشور بصحيفة اخبار يوم 17 مارس 2007م)، لمجموعة من الناشطين المدنيين، من حيث كونها تمنح " ذخيرة " كافية لاعدامهم، من قبل أي مُتطرف، سبق ان تمت تربية الوحش بداخله، وتعزيز حذره ومخاوفه من هكذا نماذج خطرة: " علمانية " كـ أمل الباشا، أو "عدو مذهبي" كـ محمد المتوكل.
إن جامعة الايمان توفر قاعدة نظرية مكينة للافكار الشرسة، والمعادية لأي صيغة تطور اجتماعي. وهي " تُفرخ " استعداداً نفسياً وإيديولوجياً لدى طلابها، ولدى المتطرفين من خارجها، لنفي الاخر بشراسة، ونزع " الايمان " منه، بشكل يجعل من أي " آخر " مشروع " قتيل " محتمل بشدة. وهي محروسة بعناية من قبل استثمارات السلطة الامنية لها، ومن الذعر الذي تُقابلها به الاحزاب، والمنظمات المدنية، والصحف، والمثقفون، ومن تعاطف بعض شرائح المجتمع " البسيطة "، الذي مرده توفيرها لحلول دينية " سهلة "، ومتنكرة بالعلم، تخص ما عجزوا عن فهمه، أو تجاوزه، وبشكل يتقاطع مع ميلهم للمطلقات، وما يوفره اليقين الديني من اطمئنان. وهي تشكل عبئاً حقيقياً على الاصلاح، والتغيرات التي تُجرى فيه، وتُعطل " المدرسه السلفية " التي يَدفع بها في إطاره، رموز جامعة الايمان المنضوين في هيئاته (مجلس شورى الاصلاح بالاساس)، قدرته على مُغادرة الشروط الايديولوجية "المتطرفة"، وتُفسد عملية تحوله نحو حزب سياسي حقيقي، ذي خيارات براجماتية، ومُتحرر من ثقل الشكل الدعوي السابق (يبدو ذلك العبء والتعطيل واضحاً، ومُكثفاً، في النموذج والدور الذي يؤديه الشيخ/ محمد الصادق، عضو مجلس شورى الاصلاح، ورئيس قسم التزكية في جامعة الايمان، الذي اضاف مؤخراً شروطاً على تخرج الطلاب من الجامعة، تتعلق بضرورة ارتداء الثوب العربي القصير، والعمامة، واطلاق اللحى، وعدم حلقها. واحتج مُعترضاً على وجود "المعازف المُنكرة شرعاً" في افتتاح مؤتمر الاصلاح الرابع، واعتراضه على أي حديث عن تمكين سياسي للمرأة في الاصلاح، ثم تهجمه في خطبه لاحقاً على صحيفة الصحوة، وصحيفة الناس، القريبة من الاصلاح، بتهمة عدم التزامهما). وتُشكل " مغامرات " الجامعة التكفيرية، مصدر احراج دائم للاصلاح، يُقلص من قدرته على تحرير علاقاته الراهنة، مع المجموعات المدنية والسياسية، من ارث " العداء " و" الفزع " السابق، الذي يُلقي بظله عليها، ويكثف من ثقل الحسابات السياسية حين اتخاذه أي خطوة نحو الامام، في إطار ادارته للتوازنات شديدة الحساسية بين المجموعات في داخله، خصوصاً مع الضغوط " المطلبية " عليه، من قبل شركائه السياسيين والمدنيين الجدد، حتى وان كانت ضغوطاً غير مُعلنة سياسياً بشكل مُباشر، بل يتم تمريرها عبر الاعلام، والمثقفين. ويبدو أكثرها ارباكاً، ما يتعلق باتخاذ مواقف من هؤلاء " المتطرفين " المنتمين له، والذي سيؤدي اتخاذه خطوة كهذه، في الوقت الراهن، إلى انشقاقات تنظيمية يحرص الاصلاح على عدم حدوثها، خصوصاً في هذه المرحلة، التي يتسم بها وضعه الداخلي بالهشاشة (وحتى وضعه السياسي الخارجي، بسبب عداء وخصومة السلطة المُعلن تجاهه، وتجاه كافة احزاب اللقاء المشترك)، نتيجة تعقيدات نتائج المؤتمر الاخير، وخصوصاً خروج الزنداني من " التوليفة " القيادية التنفيذية فيه، بما رتبه ذلك من استنفار صامت، وحاد، لدى انصاره.
اعتقد تماماً، ان تحرير الموقف من جامعة الايمان، من هذا الصمت الملتبس المحيط بها، وخلق نقاش جدي حول ما تنهض به من ادوار متطرفة، تُهدد التحول المدني، وتعطل الجهود التي تُبذل لتحديث الصيغة الاجتماعية والسياسية في اليمن، بل وتخلق مخاطر " مذهبية " تهدد السلم الاجتماعي، سيدفع باتجاه تحويلها إلى جامعة حقيقية، ضمن الشروط الاكاديمية المتعارف عليها عالمياً، وسيزيحها من موقع الخصم، ووكر للتطرف، وإلغاء الاخرين. وسينقذنا، أي المثقفين، والادباء، والسياسيين، والناشطين، والصحفيين، من أي مخاطر بـ " تكفير " لاحق، يُعرض حقنا في الحياة لتهديد حقيقي. كما أن واجب الدولة في القيام بمسؤولياتها، في حماية المواطنين، ودرء المخاطر عنهم، يبدأ من حماية هؤلاء الذين تم تكفيرهم اخيراً، ومحاسبة القائمين على هذا التكفير قانونياً، ووضع جامعة الايمان ضمن دائرة المتابعة والاشراف الاكاديمية الحكومية، وتحريرها من البدائية والتطرف.
نشرت في صحيفة النداء

الاثنين، 5 فبراير 2007

الاعتياد على دم العراقيين: عدي حاتم الصكر في أيدي الخاطفين


ماجد المذحجي
 إلى صديقي الدكتورحاتم الصكر، لاشيء يُنجي العراقي من هذا الألم سوى صبره عليه
يُفسد تكرار عرض الدم الانفعال به، فهو يتحول إلى اعتياد غير مؤذي، والاستجابة له في أكثر الأحوال، تنحو نحو الإحالة السياسية التفسيرية لجذر الفعل الدموي في معرض نقاش عابر، أو التفصيل الإحصائي لعدد الذي بذلوا دمهم في انفجار انتحاري، أو عملية "مقاومة" مفترضة، لتعزيز رأي، أو لتفجع سريع نُبرئ فيه "ضميرنا" من تأنيب الصمت، والحياد في الانفعال!. وهي استجابة متخففة في الغالب من حضور الانفعال الإنساني، ويعزز هذا "البرود" فيها، "القصقصة" النشطة للرعب الحقيقي في الصورة العراقية المعروضة، والتي تقدمها القنوات الإخبارية، بعد أن "تُفلتر" فيها مشهد الجثث المشوهة، كي لا نتأذى من النظر لها، وتكتفي فقط بسرد أرقامها، ضمن استعراض سريع، ومحايد، بشكل مؤلم!
هذا المسرح العريض للدم في العراق لم يرتب تأنيب ذو اثر، أو ينتج تعاطف له تعبير واضح ، أو يحرض تفكير في منحى نقدي متحرر من العصبية، بل وفر فقط مُعطى إضافي للنزاع، وفرصه للفرز السياسي، والتصنيف الوطني والمذهبي، نتبادل التوظيف له، واستخدامه، من مواقع مختلفة (ضد صدام الديكتاتور والدموي، وضد طريقة إعدامه الطائفية المتشفية، أو مع سلوكه كحاكم، ومنافحين عن قيمته كشهيد وبطل!. ضد التحريض على الشيعة، وخارج الاصطفاف الطائفي، أو في صف "تكفيرهم" و "شيطنتهم" وكشف "صفويتهم"!. مع الحل الأمريكي في العراق بعد أن أغلقت الديكتاتورية خيارات التغيير من الداخل، أو ضدها لاعتبارات وطنية، أو قومية، أو للكلفة العالية التي ترتبها هذه الشاكلة من الحلول.. الخ ). وهو فعل نمارسه باسترخاء، وتبسط، غير ملتفتين أبداً للكلفة الإنسانية التي تُدفع بفداحة هناك، منخرطين على الأغلب في تشجيع "أعمى" لأطراف النزاع. وهو تشجيع يتغذى لدينا على بلاغه متورمة، وتحريضية، نافية للاخر بشكل مطلق، نؤكد فيها على ضرورة انتصار الطرف الذي نقف خلفه، لكي نحمي اطمئنانا لـ"صوابية" هويتنا الوطنية والمذهبية، و"خيريتها" المطلقة!. وهو الانتصار الذي ستكفله بالضرورة -حتى أن طال الزمن، وتضاعف الثمن- الوعود التي تستبطنها أساطيرنا القومية والوطنية، والصواب المطلق لحقيقتنا المذهبية الدينية -المؤيدة بالضرورة من السماء- في مواجهة الأخر "المشيطن"، والفاسد مذهبياً، وأخلاقياً، ووطنياً!.
اسرد هذا "الامتعاض" الذاتي، والذي يأخذ شكل "تفجع" غبي في الكثير منه، ربما لتنشيط هذا التأنيب الضامر، وخلق تحريض على البدء بممارسته، تجاه حيادنا الأخلاقي المقرف، الذي نقابل به هذه "الوفرة" المراقة من الدم العراقي، وهذا السلب الضاري لامان الإنسان بشكل دائم هناك، واضطراره لتعايش إجباري ويومي مع الفزع، والمأساة، والحزن.
اعتقد أيضاً، إنه لكون هذا "الدم"، و "الخوف"، و "افتقاد الأمان" قد تحول بفعل التكرار، إلى مجرد مفردات متعالية على يومياتنا، ذات صيغة مجرده "خبرية" بالنسبة لنا، لا ترتب في أي مستوى منها غالباً، تماساً شخصياً مع ما تخلفه من نتائج مربكة - في حال إفصاحها عن قسوتها بشكل عيني مباشر - على بيئتنا اليومية، أو على أفراد قريبين منا، أو نعرفهم بشكل شخصي، أي ضمن هذه الدوائر المحيطة بنا. دور أساسي في هذا الحياد الذي نتعايش مع تبعاته الأخلاقية دون قلق، أو حتى انتباه!. ومن هنا كان لانفعالي الشخصي المُربك، والذي تلقيت به الخبر الصاعق لاختطاف "عدي"، نجل الصديق الجميل والدافئ والمثقف، الدكتور حاتم الصكر، في العراق، وهو في طريقة إلى عمان لرؤية والدته، أن أيقظني بقسوة من هذا الحياد.
كان مؤلماً على المستوى الشخصي، تصور حجم " المأساة " التي يرتبها حدث مفزع كهذا، في روح مطمئنه، ورائقة، ومليئة بالسلام، كتلك التي تخبرك عنها كل إيماءات الدكتور/ حاتم. لقد تعرفت علية منذ فترة طويلة تزيد على ستة أعوام، ورغم إنني في البداية كنت مسكوناً برهبة القيمة النقدية العالية التي تميز اسمه في الوسط الثقافي والأكاديمي، والتي كنت أتوسلها بشكل ما، عبر هذا العلاقة الشخصية التي كنت أريد إنشائها معه، لـ"ترشيد" كتابتي الأدبية المبتدئة في ذلك الحين، ضمن احد مستويات الاستفادة من العلاقة. لكنه منذ البداية استطاع استيعابي، وتحريري من هذا الانفعال تجاهه، وتحويله من هذه الرهبة الأولية، إلى تأسيس عاطفي عميق لا يغادر فيه " حاتم " فعل الود والمحبة الذي تشعرهما مقترنان بحضوره، والمكثفان بابتسامته، واعتناءه الحقيقي بالسؤال عنك!. اكتفي دوماً بالاسترخاء الذي أتحصل عليه منه، كلما حدثته هاتفياً في فترات متقطعة وطويلة نسبياً، فهو قادر على امتصاص إحساسي بالخجل من إهمالي التواصل معه، عبر إعفاءه الضمني لي من أي لوم، وتأكيد فرحه بي، واكتفاءه بالاطمئنان على كوني بخير!. وأتذكر بحميمة "تبسطنا" معاً حين رأيته أخر مره في دمشق، وسعادتي به هناك، وتلك الفرحة الصامتة بأفراد عائلته الذين اجتمع بهم هناك، والتي غمرته بهدوء، وجعلته خفيفاً، ورائقاً، وشغوفاً كطفل.
الان إذاً، يتألم صديقي حاتم الصكر!. لم تعفه هذه المسافة الجغرافية من أن ينال نصيبه من انهيار الأمان في العراق، من أن يدفع ضريبته من الحزن، والعراق لم يعد بعيداً عنه، بل تتزاحم كل جروحه في القلب بقسوة، ومعرفة أحواله لم تعد تحتاج لتقليب المحطات، وقراءة الصحف، أو للاستفسار باتصال هاتفي، فهي صارت طازجة، يخبره بها نصيبه من قسوتها المرعبة....
وأخيراً أيضاً، اُفسد حيادي!. وهاهو "الدم" العراقي البارد يصبح ساخناً.. وذو معنى حقيقي. وهاهو يحيلني إلى الم اعرف اسمه، وملامح اعرف كيف ينحتها الحزن بقسوة.
وأخيراً، أصبحت أُربك بمذاقه حين أتخيله في فمي!......

نشر في موقع نيوزيمن

الجمعة، 26 يناير 2007

في وصف التغيير والارتياب به.. هل تحول الاسلاميون فعلاً!


ماجد المذحجي
يبدو لي مؤخراً، إن من أهم التغيرات في علاقاتي الشخصية، وتحديداً ذات البعد السياسي والثقافي منها، هو تأسيس علاقات يُمكن أن توصف بالحميمة، مع أفراد "مسيسين"، وقادمين من مرجعية دينية إسلامية! وهي علاقات حميمة، لم تعكر عليّ الالتقاء الذي تم معهم، خارج منطقة التوافق المهذب، والمحروس بالمجاملة كما يُفترض. وان كنت لا انفي وجود شيء من ذلك في الأمر، فليست لدى الطرفين خبره كافية بالاختلاف الصحي، والذي يُتيح تماماً جعل الأشياء واضحة ومجرده بيننا!. بل حصل في الكثير من الأحيان، أن حدث هذا اللقاء في منطقة يتم "التنازع" بها عادةً، وجملتها الأساسية - بالمعنى النظري - هي اقرب لي، مما هي اقرب لهم، كما كنت افترض! وهو ماحررني ضمناً من "فزع" شخصي حقيقي، كان يعتري رؤيتي من هذا الفرد الإسلامي، والذي كان يبدو لي في الكثير من الأحيان غير انساني، ومجرد أنياب، ومخالب. هذه الأنياب، والمخالب، التي افترضت دوماً - وبشكل مسبق وتلقائي - أنها جاهزة لنهش لحمي مباشرة، فور اختلافي معه! وهو موقف - برأي الشخصي - له علاقة حميمة مع ارتيابي، ونفوري المعتاد، من المزاج المحافظ الذي يُميز موقف الإسلاميين الاجتماعي والثقافي قبل السياسي، والذي يُفزع أي فرد ينتمي لخيارات مدنية، وخصوصاً ذات بعد اجتماعي وثقافي. إضافة إلى تناسل هذا "الفزع" الشخصي من حذر كبير، أنتجته عقود من التناحر الدموي. وهو التناحر الذي ميز ارث العلاقة بين اليسار -الذي انتمي له نظرياً وعاطفياً في بعض المستويات- والقوى الإسلامية، والذي امتدت مفاعليه على المستوى المحلي، وبشكل جلي، حتى عهد قريب (حرب صيف 1994). ناهيك عن السلبية، وعدم القدرة أو الرغبة سابقاً، في تجاوز افتراض اجتماعي شائع وضاغط بقوة على الطرفين، يتمحور حول طلاق، وخصام ابدي، يجب أن يُميز علاقتهما، وأي موقف قد يحضران فيه، أو فكرة قد يتحاوران عليها. وهو افتراض لا يتقبل بسهولة أي فكرة معاكسه له، واستطاع تجذير حضوره، في أي تقدير لاحق لمصير ما قد يجمع بين الاثنين، وفي أي ظرف كان!؟ (ألا يبدو ذلك الاستغراب، الذي ميز موقف الجمهور من اللقاء المشترك، والذي جمع بين الإصلاح والاشتراكي بشكل رئيسي، جزء ونتيجة من هذا الافتراض الاجتماعي المسبق، وهو الشأن الذي كان المؤتمر الشعبي، يغذيه ويستثمره في الانتخابات الرئاسية والمحلية الأخيرة بشكل ذكي!). وبالطبع، لا يمكن أيضاً تجاوز الخبرات، والذكريات الشخصية القريبة، للكثير من الأفراد المنتمين للوسط المحيط بي (وهم من تيارات وأوساط مختلفة بالمعنى السياسي والثقافي، بعضها محافظ، ولكنه ليس متدين) في ما يتعلق بالعلاقة التي جمعتهم مع "مطاوعة". وهي خبرة، وذكريات، مليئة بتعارضات وصدامات حادة معهم (كتلك التي حدثت في عقد التسعينات، بين الناشطين الطلابيين الإسلاميين، ومجموعات من تيارات أخرى في الجامعة، أثناء قيام الأول، بمنع الثاني، من إقامة احتفالات غير "ملتزمة"، أو رحلات جماعية "مختلطة "، غير متقيدة بالضوابط الشرعية)، وهذا الأمر من الشؤون التي رتبت ارث من الشك العميق، وأفسدت ضمناً أي تواصل مع "الإسلامي" في الكثير من الظروف، وأشاعت بشكل كبير - وتعميمي - هذا الانطباع الشرس عنه. مع تأكيدي أيضاً، على عنصر إضافي في هذه المسألة، يتعلق تحديداً بانغلاق الإسلامي في صدفة عقائدية شديدة الحماية لمنظومته النظرية، واستقراره اليقيني، تجاه الأخريين (طبعاً، لا يمكن إنكار الانغلاق الذي ميز أيضاً اليساريين والقوميين في فترات سابقة، والذي تحرر كثيرين منهم، من جزء كبير منه لاحقاً)، وخصوصاً ممن صنفهم بـ "العلمانيين" من الأحزاب الأخرى، أو الأفراد ذوي التوجهات المناهضة لاختياراته. وعدم تجاوزه لهذا الموقع شديد الثبات والمتجهم، إلا مؤخراً، وبقرار "تنظيمي"، ذو خلفيه سياسية، للانفتاح على الأخريين، بعد انكشاف الغطاء "السلطوي" عنه، وفك التحالف التاريخي الذي جمعه مع مؤسسات السلطة، ولطبيعة الضرورات السياسية التي استدعت إنشاء علاقات مع القوى الأخرى، لتعزيز موقعه الجديد في العمل السياسي العام. طبعاً، رتبت هذه "الإتاحة" التنظيمية - رغم أنها مشروطة سياسياً بظرف جديد فقط، وغير مؤسسة على تحول نظري - للأفراد الإسلاميين تواصل سياسي، واجتماعي، وثقافي مهم، كان له تداعيات ايجابية على العديد منهم، من ناحية تعزيز التحول في التفكير بشكل ما، والانفتاح قليلاً على جملة "الخصوم" النظرية، والسياسية، وتغيير الخطاب التقليدي الذي ميزهم، ذو النبرة الدعوية والفقهية، باتجاه خطاب أكثر انتماءاً لمفردات الزمن الراهن، ويستبطن جزء من أولوياته الديمقراطية والحقوقية. ولكن هذا السلوك السياسي الجديد، ولكونه غير مؤصل نظرياً، أو مبرر فقهياً وفق منظومتهم التعبيرية، فأنه كما انشأ تحولات ايجابية، رتب أيضاً ردود سلبية، عكسية، ومستنفرة لدى العديد من الإفراد، سواء كانوا ملتزمين تنظيمين، أو مجرد مناصرين، والذي تصادمت التحالفات الجديدة لتنظيمهم السياسي "الإصلاح" - الذي يُفترض به تحقيق تصورهم الديني النقي للدولة، والشريعة، والمجتمع - مع القوى الأخرى، وتحديداً "الاشتراكي" منها، مع قناعتهم المحروسة برأسمال محافظ ومتجهم، وارث راسخ من العداء، لم يستطع في المجمل تقبل هذا "الإخوة" الجديدة مع "العلمانيين" و "الشيوعيين"!، وهو ما استدعى اعتراضات متعددة لديهم، كان أبرزها، وأكثرها حده ووضوح، اغتيال جارالله عمر، الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي اليمني، والذي كان المبادر الأبرز تجاه الإصلاح، والسياسي المحنك الذي استطاع زحزحته من موقعه التقليدي، باتجاه خصومه السابقين، وكان مُهندس البناء السياسي الجديد في الساحة اليمنية، والذي سيصبح لاحقاً ما عرف باللقاء المشترك. وهو الاغتيال البشع، الذي كان أحد أهدافه - كما صرح به منفذه علي جارالله السعواني - تنبيه قيادات الإصلاح للخطاء "الشرعي" الذي يغرقون فيه، وفك التحالف مع الاشتراكي.
إذاً، كانت هذه العلاقة الجديدة مع الإسلامي، تغيراً مهماً وملفتاً بالنسبة لي، وبقدر ما أسعدني هذا التواصل مع تعبير كان مُغلق بشده أمامي، وحررني من جزء كبير من حمولة الفزع  منه، فانه استدعى توقف مهم لي تجاه ما ترتبه هذه العلاقة معه - وربما أي علاقة يقيمها الأخريين - على المستوى الفردي والعام (وهنا ستتعلق تساؤلاتي بالفرد الإصلاحي، أكثر من الفرد الإسلامي بعموميته، وتعدد انتماءاته، ومواقفه الفقهية، والسياسية. والذي تتمايز فيه "إسلامية" الأول، عن "إسلامية" الثاني بتفصيل واضح، وهي ارتباطها لدى الأول بمرجعية سياسية وفقهية يُمكن تعيينها، بينما تتناثر لدى الثاني بشكل واضح!). إذاً، أثارت هذه العلاقة الجديدة تساؤلات عن حقيقة التغيرات التي حدثت لدى هذا الإسلامي، ولدى "ضده" المفترض، وعن جذرها الثقافي، وحقيقة الدور الذي لعبته الحاجة " السياسية الجديدة فيها، وماذا ستحدثه هذه التغيرات من نتائج مختلفة على كافة المستويات؟! بالإضافة إلى تساؤل حول الأثر الذي ستخلفه هذه التغيرات على المواقف التقليدية التي يتخذها بالعادة، وخصوصاً من قضايا شائكة فعلاً، وتميز موقفه، وسلوكه تجاهها بنبرة اعتراضية حادة، مثل الحريات الاجتماعية، ومدى الحرية الشخصية المُتاحة للفرد، خصوصاً في حين تعارض بعض مفرداتها مع "النواهي" الدينية، أو "المفترض" الشرعي لديه؟ ولا يمكن تجنب استفسار أخر مهم، يتعلق بتفحص حقيقة موقفه غير التصعيدي منها الان، فهل هو موقف أصيل يُفصح عن تغيير حقيقي، أم هو مجرد موقف "برجماتي" مؤقت، استدعته مجموعة الارتباطات والتحالفات السياسية الجديدة، والرغبة بعدم كشف أي نبره أصولية حادة، ضمن مزاج "التقية" بشكل ما، لكي لا تشعر قوى كثيرة بالتوجس منهم. خصوصاً أن الإسلاميين اليمنيين، وتحديداً الإصلاح إذا تجاهلنا الجماعات الإرهابية، مازالوا قيد نظر متفحص ومتشكك بشده، من جهات دولية وإقليميه (الولايات المتحدة أبرزها). وهي، وان كانت ترحب بـ "اعتداله"، والذي يشكل تحالفه مع الاشتراكي تأكيداً مهماً عليه، وغطاءاً سياسياً يستثمره  الإصلاح بشكل ذكي في هذا الشأن، إلا أن هذه الجهات، ذات الأجندة الأمنية والسياسية المناهضة للإسلاميين، تستطبطن ريبه شديدة به، يُحرض إلحاحها عليه، ذلك الارتباط القديم، والوثيق، لبعض عناصره القيادية، مع مرحلة "الجهاد الأفغاني" في البداية، ولاحقاً مع القاعدة وقياديها. بالإضافة إلى رعاية الإصلاح الضمنية لـ جامعة الإيمان، والتي يترأسها رئيس مجلس شورى الإصلاح "اللجنة المركزية"، الشيخ/ عبد المجيد الزنداني. وهي الجامعة المتهمة ضمناً بتخريج "التكفيريين" في العالم الإسلامي، وتعد الثانية من حيث الأهمية في هذا الشأن بعد المدارس الدينية في باكستان! ناهيك عن كون الزنداني ذاته، شخص رئيسي في القوائم الأممية الخاصة بالمطلوبين الإسلاميين، والتي تلعب الولايات المتحدة دوراً رئيسياً في تحديد المُضافين إليها.
إن هذه الأسئلة المتشعبة، هي جزء من محاولتي لإنقاذ "رأيّ" من التداعي العاطفي، والاحتفاء الشخصي بالأصدقاء الجدد، ذوي الخلفيات الإسلامية، والذي لا يكفي تحولهم الذاتي، لتشكيل حكم معياري على تحول حقيقي قد تم لدى الإسلاميين عامه. خصوصاً وان اغلب هؤلاء الأشخاص، هم من النخب الثقافية، أو ذوي الاهتمام بحقول الثقافة المتعددة، بنو ارتباط وثيق مع الشأن المعرفي، وارسوا علاقة إنسانية مع إفراد من تيارات أخرى، جزء كبير منهم ذوي موقف ثقافي نقدي ومنفتح، وهو ما أتاح لهم - عبر جهد مستمر وتراكمي - تطوير نقدية شخصية عاليه، فككت ارتباطهم - بدرجة ما - مع ارثهم المتجهم! بالإضافة إلى هذا التمييز الضيق، الذي يخص بعض الأفراد منهم، كانت هذه الأسئلة تحاول أن تتحقق من حقيقة تقدير غالب وشائع مؤخراً بشده، يميل إلى وصف الإسلاميين - كأفراد وتيارات سياسية - بـ التحديثين على المستوى السياسي، و " المحافظين " على المستوى الاجتماعي والثقافي. مما يُرتبه هذا من انتقائية في سلوكيتهم، وموقفهم العام، وهو الموقف الذي يُمكن أن يوصف بـ "الانتهازي" و "المتسلق" إذا صح هذا التقدير؟! كونهم يُفاضلون وفق المصلحة الآنية، وتصبح مسألة مثل الديمقراطية، والحقوق المدنية، والسياسية للأفراد، والمجموعات مثلاً، موضوع أولوية شديدة لهم، يدافعون عنه بشده، حين يكون محور العمل عليها في الحقل السياسي فقط، بينما تنتفي هذه الأولوية في الدفع بها، وحمايتها، والتحريض عليها، حين تمتد لتشمل الحقل الاجتماعي، والثقافي، والحريات الشخصية، لان موقفهم منها متحفظ، وربما عدائي على الأغلب. أي أن موقفهم من الحرية، والديمقراطية، ومنظومة الحقوق العامة والفردية، يتعلق تحديداً بكونها فرصه لتمكينهم سياسياً وفق هذا الوصف، لا لكونها فرصه للتمكين العام، والتحديث الحقيقي لمناخ المجتمع، والذي قد يُتيح لفئات وأفراد مختلفين عنهم، الحصول على فرصه للتعبير عن أنفسهم، خصوصاً في مناطق هم يعتبرون أوصياء على تصنيفها الأخلاقي والشرعي! ما أوردته في السطور السابقة، هي استنتاجات مُسبقة، وقد تكون متجنية عليهم، لكنها احد عناصر التقدير الشائع عنهم، والمتشكك بـ " مصداقيتهم " الديمقراطية، والتي أميل لأخذها بعين الاعتبار أثناء " نظري " لهم، فسلوكهم يُربك في العادة، ويشوش على أي تقييم يحاول تفحص موقفهم من القضايا المختلفة، فكونهم اشتغالهم الموصوف بـ " لتحديثي" هو سياسي تماماً - والعمل السياسي هو موضع الأهمية والتركيز، وأيضاً مليء بالضجيج، ويستغرق الانتباه، ومجرد من العمق في الغالب منه - فأنهم لا يطالبون بذات "التحديثية" والاندفاع التغيري في القضايا الأخرى، إما لكون السياسي يستهلك الأولوية، ويشتت الانتباه تجاه المسائل الأخرى. أو لأنه يتم تأجيل الحديث والمكاشفة معهم، تجاه هذه الموضوعات والقضايا، ضمن موقف "برجماتي" من القوى الأخرى - وخصوصاً الحليفة معهم سياسياً - يميل إلى تقدير أن هذه التحديثية السياسية لديهم، ستؤدي إلى خلق تحديثية مُرادفه في الموضوعات الأخرى بالضرورة! وأن كانوا يقرون بان ذلك سيستغرق زمن أطول. وبالتالي فلا حاجة لإفزاعهم، وخلق ضغوط عليهم، أكثر من احتمالهم، تدفعهم للنفور، وتعزز من التشككات القديمة - والحية - لدى الجناح المحافظ، أو الأصولي لديهم. والذي يتسول أي مبرر لتعزيز اعتراضه على هذا المزاج السياسي الجديد في تنظيمه السياسي "الإصلاح"، وعلى طبيعة هذه التحالفات المعقودة مع خصومهم التاريخين بالمعنى الإيديولوجي، حتى وان كان يُفترض انتهاء هذه الخصومة بالمعنى الزمني والواقعي، فلقد حدثت تحولات متعددة وجذريه، لم يعد فيها هذا الخصم بنفس السياق الإيديولوجي السابق. ذلك السياق الذي تموضعوا في مواجهته سابقاً (قبل الوحدة، وحتى النصف الثاني من التسعينات)، ضمن وظائف "عقائدية" و "أمنية" نهضوا بها، وكانت تحرضهم بشده عليه. وفي هذا الفهم "المسيس"، ذو الصفة البرجماتية في التعامل معهم، خصوصاً من قبل شركائهم الحاليين، استبطان لشروط الحاجة لهم، باعتبارهم قوة سياسية ذات امتداد شعبي هائل ومنظم، رغم تصدع هذا الانطباع المتضخم عنهم بشده في العملية الانتخابية الأخيرة، بما تستتبعه هذه الحاجة من تنازلات لدى هؤلاء الشركاء، قد تأتي على حساب الكثير من التفاصيل التي تمثل رأسمالهم الرمزي!
في العموم، لا يُمكن الإشارة باطمئنان لموقع واضح يحضر فيه الإسلاميين حالياً، وخارج الانطباع الشخصي المريح للتحولات التي مر بها أفراد منهم، جعلتهم خارج ارثهم السابق بشكل ما، بما يُقرن به هذا الإرث من فزع لدى القوى ذات الهوية المدنية، لا يمكن الاكتفاء بالتحول السياسي الايجابي في موقفهم، أو بنعومة لهجتهم تجاه الحريات الاجتماعية، وانخفاض النبرة الأصولية في موقفهم الثقافي! ثمة حاجه واضحة لتدشين عهد جديد، وتأسيس عقد واضح معهم، يُنقذ هذه التفاصيل من التجاذبات، ويبعدها عن الاهتزازات التي قد تنتجها التحولات في الظروف السياسية العامة. فكون خطابهم، وبرنامجهم، وعملهم يستثمر المنطقة الأكثر خطورة في الوعي العام (الدين)، فنحن نحتاج إلى أن يكونوا أكثر وضوحاً، مثلاً في موقفهم من خصوصية علاقة الأفراد باختياراتهم، ومدى الحماية المحققة للفرد لتحقيق ذلك. وحراسة الحريات الاجتماعية من أي موقف أصولي معقد قد يقوم بقضمها. وتعزيز تحولهم السياسي الايجابي، ذو الهوية الذكوريه حتى الان، بتمكين المرأة فيه، واحترام حقوقها خارج التفسيرات الفقهية التقليدية، وأن يكونوا ضمن الإجماع العالمي في هذا الشأن. إن الوضوح في هذه التفاصيل والقضايا، وإشهارها ضمن تأصيلهم النظري، لا جعلها حاضره مؤقتاً، ضمن موقف سياسي متبدل، والتلاعب بها كورقة في ظل احتياج طارئ للقوى المدنية، سيُمكن المجتمع من حماية نفسه من أي نزوع متطرف مُفاجئ، ويحصن حقوق المختلفين، ويجعل التنافس السياسي مُحرراً من الفزع الأصولي، ويجذر الحرية كمنطقة تعاقد وإجماع لكل القوى.
نشرت في صحيفة النداء

السبت، 6 يناير 2007

رأسمال المجموع.. إعدام صدام حسين وتغذية نموذج البطل!



ماجد المذحجي
تخبرنا التراجيديا الانفعالية الحادة، التي ميزت عموم التلقي الشعبي العربي لعملية إعدام صدام حسين، كم هو الاحتياج أصيل في المزاج العام لبطل!!. وهو انفعال وهياج قائم في هذا الحدث، ويستبطن هذه الرغبة، بغض النظر عن ذلك التشفي البغيض، والمهيج للمشاعر، الذي رافق هذا الإعدام كسبب مباشر له.
إن هذه الرغبة العارمة بالاحتفاء ببطل، و شهيد، كانت صامته ومدفونة منذ أخر العهد بالثورات العربية ضد الاستعمار، وتلك المشاهد الحماسية لإعدام الثوار بالساحات، والتي تستعيدها الذاكرة الجماعية بإصرار وافتتان. ويبدو أن هذا البطل الشهيد، رمز الوطن والقضية والكرامة المفترضة، لم يعد يُكتفا باستعادته، وملئ الفراغ الذي خلفه، عبر الدراما التلفزيونية العربية، التي بدأت تستنزفه، وتكرره، وتقتل نموذجه الاستثنائي بالنسبة للجماهير. واستعادته هي ليست حاجة طارئه، بل حقيقية يتغذى عليها المخيال العربي شديد العطش لهكذا نموذج. فجزء أساسي من احتمال "العربي"، وقدرته على التعايش المضني فعلاً مع هذا الخذلان العام، على كافة المستويات والمجالات، الذي يستولي على حياته، يكمن في استبطان يقيني لديه، يرهن انتصاره على كل ذلك بعودة البطل المخلص!!. فالحل لتجاوز هذا الخذلان بالنسبة له، لا يمكن أن يصبح أبداً في تنشيط ممارسه نقدية تجاه جذور "الحال"، أو في سعي فردي، وجماعي لابتكار الخيارات، وتنفيذ أفكار متنوعة تنقذه مما هو عليه، بل هو كامن في هذا المخلص القومي أو الديني المبشر به في الميثولوجيا الدينية والشعبية شديدة الرسوخ في المخيال العام. إنه ذلك الفرد الخارق، النبي في القوم، والذي فيه تتكثف مصائر المجموع وأحلامه، ودونه يصبح البيت بلا عمود، والقطيع بلا راعي، كما تحب البلاغة السائدة أن تصف الحال في غيابه، أو انتظاره!!.
نفذ الإعدام في صدام حسين شنقاً، ورغم انه لم ينفذ في ساحة عامه، فقد تكفل التلفاز بتحويل ساحة كل منزل في أرجاء المعمورة لساحة عامه مليئة بالانفعال الحماسي، وهو كان متحدياً حتى اللحظة الأخيرة، تحدي من لم يعد لديه ما يخسره، ولم يتبقى لديه سوى تسجيل هذا الموقف الأخير. وكان في ذلك تقاطعاً فريداً من حيث المشهد مع واقعة إعدام عمر المختار، النموذج الأشهر عربياً للبطل الشهيد الذي تم إعدامه شنقاً. وهو الذي تمت استعادة مشهدية إعدامه "البطولية" في السينما العربية بشكل لافت، مما زرعها عميقاً في وعي الناس، وجعلها مصيراً مشتهى لأي بطل. وهو تقاطع غذى بشكل سري من رمزية إعدام صدام، وعزز من هذه الاحتفائيه الحزينة به، خصوصاً وان "العرب" لم يتلقوا منذ فترة طويلة موتاً حماسياً، وحزيناً، وشديد الرمزية بهذا القدر الذي حدث صبيحة أول أيام عيد الأضحى. لقد تم تحويل صدام حسين إلى شهيد، وتم إنقاذه بهذا الإعدام من دائرة التنازع حول سيرته، لينقل إلى دائرة الإجماع بموته.
الإجماع الذي خلصه من سجل خطاياه المأساوية، ليحتفي به الان كبطل وشجاع. البطل الشجاع الذي حتى ولو طوح بسيفه في الاتجاه الخطأ، وقتل أبرياء، يبقى البطل. والذي تحميه شجاعته من المُسألة، والإدانة. ويتم تثبيت نبل القضية المفترضة الذي يُمثلها بإثبات كونه شجاعاً حتى لحظته الأخيرة، وهي لحظه "تجب" ما قبلها، وحتى ضحايا أخطاءه يغفرون له، فالمسألة لم تعد شخصية بعد ذلك، فهذه الشجاعة تصبح جزء من رأسمال المجموع، ورمزية وجوده، والتي يُضحى لصالحها بكل غالي وعزيز!!.
ألا يبدو (مشعان الجبوري) صاحب قناة الزوراء، وصحيفة الاتجاه الأخر، والمعارض العتيد لنظام صدام حسين، الذي قتل أخاه، وأخريين من أفراد عائلته، نموذجاً لذلك، شخصاً يهب ثأره لثار الجماعة، فقط لان خصمه أصبح بطلها. لقد تماهى كضحية في جلاده، لان جلاده شجاع، ولكونه رمز للتحدي ضد الجلادين الجدد، ولأنه تحول بكل ذلك إلى بطل وشهيد، قدم قرباناً عن الأمة، وفي دمه الذي أريق يُهدر عزها.
اعترض شخصياً على الإعدام كأداة عقابية لأسباب مختلفة، ولكن لست في موقع نقاش أسباب ذلك الان، وامتداداً لهذا اعترض على إعدام صادم حسين، وبرأيّ أن هذا الإعدام، اعدم أيضاً الرمزية الشديدة التي كان يمكن أن ينتجها مثلاً "حبس" أول زعيم عربي، لسلوكه الديكتاتوري وأخطاءه السياسية، وبدل أن تكون هذه المحاكمة مدخلاً لمحاكمة حقبة ما بعد الاستقلال العربي، بأخطائها المدمرة لمستقبل هذه المنطقة وحاضرها، فهي بقرار الإعدام الغبي، حولت هذه الحقبة لمنطقة مُغلقة، وأنتجت حماية رمزية شديدة الفعالية لمجموعة من رموزها "النضاليين" بكل ديكتاتوريتهم، وأصبح من الكفاية لإنقاذ أي واحد منهم من المُسألة استعادة اعتراضاته البلاغية ضد أمريكا، حتى ول استتبع ذلك إفراغ بلده من كل مقومات الحياة، وتخريبها تماماً. فهي الشيطان الأكبر، وأخطائهم على جسامتها كانت "مقاومة" يجب احترامها، وحتى تقديسها، مهما كانت فاتورتها مكلفه!!.
إن المرجعية الضمنية لهذا العطش لبطل وشهيد، تكمن في ثقافة وموروث يُعلي من قيم الموت أكثر من الحياة، ويؤكد على رمزية القضايا المقترنة ببذل الروح، أكثر من تلك التي ترتبط بالحفاظ عليها، وهي ثقافة يصمت فيها الفرد، ويغيب مصيره الشخصي،و لا تُعلى قيمته سوى حين يتمثل " العام " فيه، وينطق باسمه في لحظات الأزمة، حيث يصبح شرف المجموع مُعلقاً إلى نبرته الصوتية، ومقدار ارتفاعها في الذود عنه لا أكثر. وهي ثقافة متبطله وكسولة، تكتفي بالاستعادة الدرامية لمصير شهدائها، ورمزية تضحيتهم عنها، وتتغذى من تكرار التفجع عليهم، والاستيلاء على حياة الناس بتقديسهم!!.
 نشرت في موقع عناوين ثقافية