الاثنين، 7 أغسطس 2006

عن حرب للكرامة لاتدل الضحايا على معنى للموت

ماجد المذحجي
للحرب سيقان طويلة يُمكن بها أن تتنطط كما تشاء من شاشة إلى أخرى. إنها ممتعه، فهي جزء من الصورة التي تثير الانتباه وتشغل الفراغ، وتُمكن المرء أيضاً من ترك الاخرين يلعبونها، ويحصدون الانتصارات فيها لنا ولهم، مع الاحتفاظ بمسافة كافيه من الآذى الذي يمكن أن تُلحقه. نحضر فيها كصوت عالي يشرح، أو يبرر، او يتعاطف، او ينفر، او يكره، أو يفرح.. مُكثفين كافعال صوتيه وانفعاليه صرفه مُغلقه على لغة تحتفل بالموت باصرار. إن " الحرب سهله على المتفرجين "، وليس لمشهد طفل تنتزع جثته من تحت الركام سوى ان يرفع من كثافة الشراكة في لغة موحده لاتراه سوى شهيد فقط، وليس طفلاً فقد فرصة في حياة جيده. ومشهد البنايات والاحياء والقرى المدمرة يمكن تجاوزه بسهوله، في ظل تناظر مشوش ومختل يساوي بين قيمة الضرر الذي يتضمنه هذا المشهد، والصوت العالي الذي تحدثه صواريخ هزيله تقع قرب ملاجئ حصينه مسجله انتصارات معنوية في عمق ( العدو!! ). الابنية الجميلة، والمدن المخططه جيداً، لاتعني شيئاً في معادلة لاتحترم سوى فكرة تأكيد الاجماع على دعم الحرب وتفرعاتها من موت لاطفال، ونساء، ورجال، وشيوخ. ودمار لمدن، وابنية، ومستقبل، واستقرار، واطمئنان، كونها الطريقة الوحيدة لاسترداد الذات، وتأكيد حقيقة كونها موجوده عبر بصمة الدم والخراب فقط!. ليس للأسمنت، والكهرباء، والطرق، والحدائق، واطمئنان البشر، وكل تعبيرات الحياة المستقره، موقع أمام صلابة فكرة الكرامة العارية والمؤيده بجباه مرفوعه وصدور مفتوحه لاستقبال الموت. وهي صدور نراها في الصورة، ونبرع في حماية القيمة المعنوية التي تنتجها تضحيتها عنا، وفي تشجيعها على الثبات امام قنابل ذكيه تزن مئات الاطنان!!. إن تلقي الحرب في صورة يكثف السخرية من قدرة الصور على تمثيل الاشياء باستقلاليه هائله عن ضرواة ماهي عليه بالواقع. والواقع الذي تنتجه لايلقي باعباء على المشاهد أكثر من الغضب، أو الانفعال، او حتى البكاء. وهي تفاصيل لاتحتاج لطرق ممهده يمكن الفرار عبرها من القصف، أو ادوية للتداوي من الجروح، او (مازوت) لتشغيل مولد الكهرباء في مستشفى يخدم عشرة الاف نسمه او يزيد.... الخ. تبرع الحساسية امام هكذا صور في انتاج انفعالات رديئة فقط، قد تتعدى الصراخ نحو اسئلة ساذجه، اسئله لاتلتفت لتفحص كم هو ضئيل الانتصار لموقع مسؤولية الحفاظ على الحياة والاستقرار وعدم فتح الباب للخراب والموت امام الانتصار لفكرة الصمود والمقاومة والكرامة.
هل يشاهد القتله عيون ضحاياهم؟؟. سؤال ساذج يحاول أن يتفحص به الكثيرين موقع القاتل من ضحيته.. وجزء اساسي من غبائه انه يتجاهل فكرة الموت كخلفية عمياء تدير علاقات القوة المؤسسة على حق غير مقيد. و هو سؤال يتجاهل الرغبه الجماعيه الملحه في استبدال الموقع، والرغبه في ان نكون الطرف الاخر بكل امتيازت القتل والقوة التي يمتلكها. نعم ان القاتل يمكن أن يتفحص عيون ضحيته دون أن يُصاب بالارق، وأن يبتسم لها أيضاً قبل ان يلقي بها إلى الجحيم او للفردوس فلافرق لديه. فارتكاب فعل القتل المنظم هو فعل غير مؤسس على احترام قيم الحياة، والقله ممن يمارسونه يستبطنون شكاً اخلاقياً فيما يفعلونه. ليست المشكله هنا، بل في تجاهل " المناضلين " لكون الدم ضريبة فادحة لايكفي أن تبررها بعلم يرفرف. علم تُكثف فيه فكرة كرامة وانتصارات وهمية لا تقدم سوى خدمة لخصم متوحش استساغ وهن الحياة لدينا وانخفاض قيمتها أمام بلاغة الشعارات.
إن القتل فعل مغري، ويحول البشر إلى آلهه مكتملين يهبون الموت وفرص الحياة.. والآلهه الموجودين أمامنا في الصور، هم اولئك الذين يستطيعون بسهوله مستفزه ان ينقروا على احد المفاتيح ملقيين بكميه هائلة من الموت على بشر نائمين، بينما يمسكون بيد اخرى ميكرفوناً غبي يلقون به المواعظ التي يجب ان ننصت لها عن حياتنا التي لن تتحقق إلا بالموت!!. بعضهم ملتحي، والاخر حليق الدقن والشوارب، احدهم يرتدي عمامه والاخر بدله وكرافته انيقه. آلهه بلغات مختلفه، ولكنها تتشابه باصرار في قدرتها على القتل وتبريره بالحياة!!. لبنان بلد يموت، ولايمكن الركون بسهولة لتعزية النفس بقدرية الصمود السخيفه، فالحياة تنتزع من اجساد البشر هناك بسهوله تشبه اشعال عود كبريت، والتعويل على صراخ الكرامه المفترضه وقيمتها بالنسبه لنا، هو فعل لايحاول أن يفهم فكرة ان الاجساد المثقوبه لا تستطيع ان تسمع هذا الصراخ جيداً. والشيء الوحيد الذي يمكن ان يُنصت له البشر في الحرب واثناء القتل هو الدعوة لانهاء كل هذا الخوف والدمار، وعودة الحياة هادئه ومطمئنه كما كانت. نعم، من المفزع أن لاصوت للحياة امام لغة موحده للموت، تبجله وتعقد الآمال على انتصاراته.
نشر في منتديات حوار

الخميس، 13 يوليو 2006

«ميونيخ» لـ ستيفن سبيلبرغ.. فيلم سينمائي يشكك بمشروعية القتل


ماجد المذحجي
هل يمكن لموت أحد ما أن يكون منصفاً، وحين يُلقي الضحية التحية ويتمنى للقاتل الذي يشاهده للمرة الاولى والاخيرة ليلة طيبة بعد ان يتحرش به بحديث عابر هل يستطيع القاتل أن ينام مطمئناً؟. والقتل كفعل ينتزع من الحياة اطمئنانها هل يجد جذوراً كافية لتبريره في الانتقام وفي كون الاخر يرغب بمحوك عن الوجود وآذاك علناً؟..
ربما هذه هي الالغام الاخلاقية باسئلتها الحاده التي يمكن ان تعلق في الذهن بعد أن تنتهي من مشاهدة الفيلم الاشكالي الاخير للمخرج الامريكي الشهير ستيفن سبيلبرغ الذي اثار عاصفة منذ عرضه كعادته في مجمل افلامه، ورغم كون ستيفن سبيلبرغ ذو خلفية يهودية، ويقدم فيلماً عن تجربة اسرائيلية في الانتقام، تتعلق بحادثة هجوم ميونخ الشهيرة الذي نفذه فلسطينيون من مجموعة "أيلول الأسود" ضد مقر الفريق الرياضي الإسرائيلي في أولمبياد عام 1972. وهو الهجوم الذي قتل فيه رياضي ومدرب إسرائيلي خلال الاقتحام، واحتجز تسعة كرهائن طالبت المجموعة بمقايضتهم بسجناء عرب، لكنهم قتلوا خلال عملية إنقاذ فاشلة. وسلسلة عمليات الاغتيال التي قامت بها الموساد للانتقام وتصفية كافة المشاركين الفلسطينين سواء بالتخطيط للعملية أو بتنفيذها. لكن على الرغم من استغراق الفيلم في شأن موجع للذاكرة الاسرائيلية قد تدفعه لاستحضار خلفيته اليهودية في محاكمة الموضوع لكنه تجاوز هذا في هذا العمل الرائع، ولم يُغيب عنصر الفنان ذو الحساسية المستقلة المعادي للرأسمال المتعصب ووظائفة، وهو الشأن الذي يحضر كضابط مهم في إدارته للفيلم بعيداً عن تجاذبات العصبية الدينية أو القومية، والذي خفض به بلاغة الانتصار لصالح تفحص ذكي لاسئلة تتعلق بمشروعية القتل - بغض النظر عمن يقوم به - ومدى الملاءمة الاخلاقية التي تكفلها الاسباب التي تبرره جوار الفداحة الهائلة التي تقود لها نتائجه. وإن كانت هناك مشكلة لايمكن تجاوزها، فالعنصرالاسرائيلي في الفيلم يجد الفرصة الكافية للتعبير عن انسانيته والافصاح عن ضيقة الاخلاقي بما يقوم به، بينما لم يحظ الطرف العربي والفلسطيني، بأي فرصه ليتحدث او يبرر ما يقوم به مما جعل موقفهم معلقاً على تقدير المشاهد فقط!!.

كونك يهودياً يكفي لان تقتل عربياً.. والعكس أيضاً!!...
منذ المشهد الاول في الفيلم والذي يبدأ بقيام مجموعة من الناشطين الفلسيطنيين باقتحام مقر البعثة الاولمبية الاسرائيلية واختطافهم ومن ثم قتلهم لـ 11 رياضي اسرائيلي ومقتل الناشطين اللاحق، يُصعد الفيلم لمدة ساعتين وأربعين دقيقة عبر كاميرا سينمائية شديدة الاناقة في حركتها الاحساس بالتأذي من القتل. تُثير اللقطات الاولى التي يُحتجز ويُقتل فيها افراد البعثة الاسرائيلية احساساً متبايناً بموقعك من الواقعة، ويستيقظ ضمناً فرز عصبي يدفعك للتفتيش عن اسباب تبرر لمن قاموا بها ذلك حين يؤذيك مشهد القتل المصنوع باحتراف عال، خصوصاً حين يترافق ذلك من ما تظنه ارتفاعاً في النبرة اليهودية للكاميرا على حساب النبرة العربية او الفلسطينية. ويُعزز سبليبرغ ذلك الارتباك الشخصي حين ينقل الكاميرا لتتفحص ملامح واصوات وانفعالات المتابعين العرب والاسرائيلين امام الشاشات، مُحيلاً المتابع لمشهد واسع تتنافر فيه الهويتين في تأكيد كل واحده منهما على حقها فقط بالحياة واستحقاق الاخرى للموت. يضخ المخرج منذ البداية عنفاً ذكياً في الصورة، وإن كان رغم حدته غير مفرط في دموية عبثية رغم امتلاء الواقعة الحقيقية به. وعبر ايقاع عال يستمر لدقائق عده يشدك فيها لمتابعة احداث ميونيخ الشهيرة التي تحضر فيها بشكل عال مفردات النضال، والرصاص، والهويات العصبية، والتي يسيطر الغموض على مبرراتها الاخلاقية. تقوم الكاميرا فجأة ببتر انفعالك وخفضه لصالح مشهد اخر اقل ضجيجاً، ينتقل به من قلب ميونيخ الالمانية إلى قاعة اسرائيلية يتم فيها التخطيط من قبل مسؤلين استخبارتيين وسياسيين للتخلص من 11 قيادياً فلسطينياً للانتقام للـ 11 اسرائيلياً. ومن هنا يبدأ سبيلبرغ بناء احداث الفيلم التي ستعتمد على اوامر الموساد لمجموعة من عناصرها بتنفيذ الاغتيالات للانتقام متلاعباً طوال الفيلم وبشكل مثير للاعجاب بالفكرة الاخلاقية الرديئة " السن بالسن والعين بالعين " كمبرر كافٍ للقتل.....

فرد يأتي للحياة واخر يأخذه الموت.. من يُقرر الحق بذلك؟؟...
عمل سبيلبرغ بشكل متميز على جعل أحد تاكيدات الفيلم الاساسية تتمحور حول فكرة استبطان الفرد القدرة على انتاج الحياة وسلبها أيضاً، وعلى الخيط الرقيق الذي يفصل بين التبريرات الاخلاقية للقيام بأي فعل منهما!!. تم ذلك عبر اشتغال السيناريو والكاميرا على مشاهد يتم فيها دفع التقابل بين الموت والحياة بحده، فحين تتم تهنئة أفنار (إيريك بانا) بمولودته الجديدة تتم تهنئته أيضاً بنجاح عمليته وموت الهدف الثاني (محمود الهمشري). و(وائل زعيتر) الذي قتل بالمسدسات امام المصعد وكان ممسكاً بقنينتي النبيذ والحليب. التقابل بين الولادة والموت، والمسدسات وقناني الحليب والنبيذ هو افصاح شديد الذكاء لمدى التشوش الاخلاقي للانسان حين يستطيع ان يمنح الحياة ويسلبها، وحين يستطيع أيضاً الامساك بيده بمفردات للقتل واخرى للحياة. تم الاشتغال بخفة على رمزيات بصرية عالية المستوى تُحيل المشاهد لحجم تورط كافة عناصر اطراف القضية في الخسارة حين تستولي على تبريراتهم بلاغة الهوية وعصبيتها الدموية، والتشوش الذي يلحق بقرارهم في كون أي طرف كان يستحق الموت لمجرد كون تحقق هذا الفعل يكفل تعزيز قيمة حياته او قضيته، فلايمكن ان تنتصر القضية الوطنية الفلسطينية او لفت النظر لها بقتل الرياضيين الاسرائيليين، ولايمكن التأكيد للعالم على قيمة اليهودي أو اهميته بقتل الفلسطينيين. كانت الكاميرا ذكية وهي تتسلط على مفاجئة عميل الموساد لكون الفلسطيني مثلاً يمكن ان تكون له فتاة صغيرة تهوى الموسيقى وتعزف على البيانوا. او وهي تتابع فلسطيني أخر ينفح البائعة الايطالية العجوزة بقشيشاً أضافياً ويبتسم. لم تنكر الكاميرا تشوش (أفنار) الاخلاقي امام قيامه بفعل القتل، حتى وأن كان يقوم بهذا بغية الدفاع عن الامة اليهودية ضد اعداء يريدون محوها والقائها بالبحر، بل قامت باستثمار هذا التشوش كخلفية لسؤال الفيلم الاساسي الذي انتصرت له الكاميرا والنص في تسلطيهما الضوء على اعتماد (أفنار) وزملاءة على البلاغة الصوتية العالية لحق اليهودي في العيش حين يحاجج ضعفه الذي يُغذى من كون القتل بهذه الطريقة لن ينتهي أبداً، وان فكرة " سنظل نقتلهم إلى الابد " لاتكفي لصنع السلام الذي يرغب به لضمان ان تعيش طفلته وزوجته بامان.

الجنس يكفي لجعلك حياً...
حين مارس (افنار) الجنس مع زوجته الحامل في أول الفيلم، وفي اخر ليلة قبل ذهابة للعملية كان يتمسك بكونه حياً وانسانياً للغاية. وحين قالت له زوجته (انا لست زوجة البطل الجيدة) كانت تُقر برغبتها الاحتفاظ بضعفها امام بلاغة القضايا السامية. وحين مارس الجنس معها في نهاية الفيلم عندما عاد إلى المنزل في حي بروكلين بنيويورك كان يختلط بلهاثة وتعرقه اخر الصور من عملية ميونيخ حين قُتل الناشطيين الفلسطينيين والرياضيين الاسرائيليين وهم يصرخون ويتعرقون أيضاً. كان يريد ان يعود حياً.. وكلما استغرق في الممارسة معها استغرقت الحياة فيه وطردت اسباب الموت. وبين الحياة في بداية الفيلم و الحياة في نهاية الفيلم كان الموت يُغرق كل شيء في الوسط. إنه موت كثير، وحتى عندما حاول أن يهرب منه إلى الحياة.. إلى امرأة في بار الفندق تركت عطراً على ذراعه لم يستطع، وكان الجنس مفتاحاً للموت هنا لا للحياة، اوقع صديقه في حين انقذه الحظ. ذات المرأة حاولت ان تستعين بالجنس لكي تحتفظ بالحياة حين قدموا لقتلها والانتقام لصديقهم. ارخت روب نومها ليبدوا جسدها عارياً وقالت لهم: (ستضيعون عليكم هذه الموهبة). ولم تنجح بذلك، كانت تقصد موهبة الحياة بالتأكيد.

عن كون ستيفن سبيلبرغ صانع سينما عظيم
استطاع ستيفن سبيلبرغ أن يوظف حدثاً مهماً كعملية ميونيخ دون ان يقع في فرز تبني صوت واحد او رؤية واحده، وهو الامر الذي كان سيوقعه في استقطاب ايديولوجي يدفعه بعيداً عن موقع المخرج الفنان ذو الحساسية المستقله نحو موقع المتعصب بوظائفة الدعائية. فانقذ الفيلم من التورط في اسباب الصراع لصالح تفحص مايُحدثة من شروخ في الاخلاقيات حين يتم استخدام أي مبررات ينتجها لشرعنة القتل. ميونيخ كان الحدث الذي استثمر في صياغة فيلم ذو قدرة تشويق عالية وبمزاج يميل بشكل حاد إلى توغلات ذات طابع نفسي واخلاقي، مع تحرر كامل من فكرة الوصول إلى اجابات أو تقرير نتائج في النهاية. كما سيظل ستيفن سبيلبرغ قادراً باستمرار على تاكيد كونه مخرجاً متميزاً من الناحية الفنية عبر اخراج شديد الاناقة تبدى في الاسقاطات البصرية لافكار شديدة الرمزية بشكل مبدع، وفي إدراة متميزة للاحداث والشخصيات تتضح عبر التقطيع المتميز لوقائع عملية ميونيخ ذاتها على طول الفيلم وعدم ضخها دفعها واحده في البداية ليجعلها حاضرة في استدعاءات ذكية لتسند التصاعد في الاحداث او في الاداء. و لايمكن ان يغيب عن الانتباه ابداعه لصورة سينمائية استطاع ان يجعلها تنتمي بدون أي تكلف لبيئة الحدث وعلاقاته بالمعنى المكاني والزماني أيضاً، وهذا يتضح في استخدامه المتميز لعناصر الاضاءه والالوان. هذا إذا تجاوزنا الحديث عن حقل تميزه وابداعة كمخرج اشتهر في صناعة التقنيات السينمائية شديدة الاتقان، والتي استخدمها هنا في مشاهد الانفجارات ومعارك الشوارع والقتل.
نشرت في صحيفة النداء

الثلاثاء، 20 يونيو 2006

عن الفراغ كحاصل لإحتفاء المكان بمزاج بدائي.. وعدائي!


ماجد المذحجي
يُنشئ الفراغ القائم في مكان ما كمعطى غالب بصيغته الفيزيائية المجردة والحاصل من علاقة بشرية بدائية بذات المكان، أو نتيجة لبيئة مناخيه وتضاريس جغرافيه يصعب التصرف بها دون جهد، مجموعة من العلاقات النفسية والثقافية والجمالية البسيطة ذات المزاج الكسول والجاف لدى أفراد المكان تميل في كُليتها إلى الثبات والاستقرار، وتُعادي التفكير المعقد، والرمزيات الجمالية والدينية المُحدثة خارج إطار العناصر الثقافية الأولية المتسمة بالبساطة، وتؤكد تفضيلها للسهولة والبساطة كقيم يجب تحققها في الوظائف المادية للأشياء التي يتم استحداثها أو استخدامها، وفي المجردات الدينية التي يتعاطون معها ويطمئنون لمقولاتها. ويُنشئ هذا الفراغ أيضاً فائضاً من العلاقات البصرية غير المعقدة مع المكان، يُمكن إدراك أسبابها من ضآلة المساهمة البشرية في استثمار موجوداته، والنفور من أي إضافة مادية تُعدل القائم فيه من علاقات ثقافية بدائية الوظائف، الأمر الذي لا يمرن التلقي البصري على التعاطي بايجابية مع أي إغراء مختلف، ويكرس بلادة جمالية، ويعزز حضور الجلافه في ردود الفعل على أي تعبير مغاير. تُصبح العطالة البصرية هنا قيمة أساسية نافذة تحكم العلاقة الدائمة بالمكان، فلا ابتكارات عمرانية ذات طابع وظيفي معقد أو جمالي متطور تشغر حيزاً في الفراغ المفتوح بحيث يمكن أن تنشغل بتفحصها، وأي إحداث هامشي فيه سيتوقف مثلاً عند حدود إعداد الطرق ذات الوظائف البسيطة، وحقول لإنتاج محاصيل الضرورة، أو أبار مياه غير عميقة، أو تعزيز عناصر مادية طبيعية ورمزية شفاهية الطابع - تم التعاقد عليها ضمنياً في إطار ثقافة المكان - تُحاول توضيح حدود ملكية مشوشة بين الأفراد، أو حدود سيادية متداخلة بين المجموعات، أو استثمار معطى طبيعي نافع كمرعى بري أو عين ماء أو واحة، أو إنشاء أبنية أفقية بسيطة الملامح وغير طموحة جمالياً، ضمن منطق علاقات ذهنية غير مشغول بأي ابتكار قد يُخل بالاطمئنان البارد الذي يكفله الامتداد السميك للفراغ في كافة ارجاء المكان.
يُغذي الفراغ إذاً، حين يحتكر الفضاء البصري لأبناء المكان، ارتباكهم تجاه أي مساهمة قد تُحدث فيه. فأي أعمار عمودي الطابع، ويتميز بالحيوية الجمالية والتنوع في الوظائف، يُهدد مُداومتهم البصرية على مساحات شاغرة وبسيطة الملامح سيستنفر عدائهم. فضمنياً تتحدد أهم صلاتهم بالمكان من بساطة معطياته المادية، وعدم التعقد في علاقاته الثقافية والاقتصادية، و الإدراك الفضفاض لحدوده، ومرونة إحساسهم بالسيادة عليه، وأيضاً من إمكانية التصرف الذهنية الواسعة في مُعطياته المتاحة لهم، وهو ما يُمكنهم بسهوله من إحداث تحديدات " رمزية شفاهية الطابع ذات وظائف إجرائية محدده وبسيطة " تعزز التحديدات الطبيعية لمساحاته، في المناسبات النادرة للتقسيم الواضح لحقوق الملكية والاستغلال البسيطة فيه بين الأفراد، والتي تتنافى ضمنياً في جوهرها مع شيوع ورسوخ فكرة الملكية والانتفاع الجماعية بينهم ( الملكية العائلية أو العشائرية.. الخ). وهي إجراءات غير معقده بسبب بيئة المعيشة ذات الثقافة البدائية، والتطور البطيء للحاجات والوظائف التي تُحدثها. وبالتالي فأن أي أعمار أو إضافة مادية - سيكون مرفقاً بها بالضرورة حقوق ثابتة وواضحة ومتطورة، وعلاقات ملكية معقده، وانساق ثقافية حديثة، ووظائف خدمية متقدمة و جماليه حديثة - لا تنتمي لحقل العلاقات الطبيعية البدائية الطابع والبسيطة في المكان، سيكون فعلاً يحمل في جوهره انتهاكاً لحقهم المفتوح في إنشاء حقوق استغلال وتملك مرنه وقابله للنقل، وتدمير أمان تتيحه فرصة عدم الارتباط المسنود بدوافع ثقافية ومادية أكثر تجذراً بموقع ثابت، وهتك صيغة وجود نفسية مستقره يربكها أي إخلال بشري معقد بالعلاقات البسيطة التي نشأت في إطارها. ويمكن إدراك هذا النسق من الأفكار والعلاقات والتوصيفات التي تم سردها، والتحقق من حضورها وغلبتها في هكذا أمكنة، من مطابقة جزء كبير منها مع أمزجة الأفراد وأنماط معيشتهم اليومية بأبعادها الثقافية والاقتصادية والدينية في الأماكن غير الزراعية، وتحديداً الأماكن ذات الغلبة الصحراوية الحارة والجافة، أو الصخرية القاحلة التي يحضر فيها الفراغ كمعطى غالب بصرياً.
تُحرض صيغ علاقات وأفكار كهذه لدى أبناء هذه الأمكنة مزاج يُعادي التفاصيل حين تكون في موقع يُحتفى به بسبب قيمة جماليه تميزها أو طقسية تكثفها، وليست وظيفية بسيطة كما يجب أن تكون على الأكثر بالنسبة لهم. وهو مزاج يميل إلى الكُلي في الأشياء، ولا يُدرك التفاصيل إلا من كونها جزء لا تتحقق قيمه له بتجريده، بل بتموضعه الوظيفي في إطار هذا الكُلي. ويرى أن القيمة التي يُضيفها الترف - كونه فعل مُتكلف في جوهره - هي تشويش أو حجب الحقائق التي يجب أن تكون بسيطة ومباشره. فمثلاً، يكون الاجتماع الديني عند قبة ولي صوفي ضمن آليات طقوسية معينة تكلفاً مُبالغ فيه، يجعل الحقائق الدينية تعبر عن نفسها بتعالي، وضمن علاقات رمزية معقده غير مفهومة ومزعجه بشده لهم، ولذلك فالإنكار القطعي لهذا الاجتماع بطقوسيته المتكلفة والمترفة، هو شأن لازم للاتصال بالحقيقة دون تشوش وبشكل ابسط. وأن كان هناك مُتاح عنفي محمي أو غير مُساءل، فتدمير الرمزية التي يتحقق هذا الاجتماع حولها - وهي قبة الولي هنا - هو حل أفضل، يتم من خلاله تدمير تجسيدها الطقوسي والمعماري ذو المزاج العمودي والمكتنز الذي انتهك الفراغ بفضائه البصري والنفسي والثقافي، والذي هدد تكثيفه المختلف للحقائق الدينية الصيغ الأبسط لها التي يميلون إلى الاحتماء بمقولاتها الواضحة، والتي يتجاور وجودها بالضرورة مع هذه المساحات الشاسعة المُفرغة من التعاقدات الجمالية المتطورة، والعلاقات الثقافية المعقدة، والتي أنشأت اطمئناناً متسقاً مع ذهنية تعمل ضمن خط واحد من الإنتاج والتلقي المغلق بشكل قطعي وحاد أمام أي خط مغاير من التفكير أو الانفعالات.
إن الاعتياد على الفراغ كفائض بصري متحقق بشكل دائم في هذه الأمكنة يُعزز لديهم من قيمة الأشياء كجوهر واحد غير متمايز.. فهو يمنح سيولة دائمة في النظر، يُحرضها الامتداد المفتوح أمامها، واستقرار الموجودات الطبيعية دون أي إضافة أو تعديل عليها. وهي سيولة بصرية تتماها في إطارها الاختلافات والتفصيلات إلا بقدر ما هي ضرورية وبسيطة أو لازمه إجرائياً لتحقيق منفعة مباشره. وأي ممارسة معمارية ضمن فهم مختلف يُنتج تغيرات ملموسة في معطيات هذا الفراغ ويُقلص منه لصالح إنشاءات مادية - وتعاقدات جديدة للإفراد ضمن أبعاد حقوقية وثقافية واقتصادية متقدمة مُرفقة بها - ذات غرض وظيفي متكلف، أو تأتي ضمن تصور جمالي مُترف، أو في إطار إنشاء رمزية معقدة لإجماع وطني أو ديني مثلاً، ستكون ممارسة تنشأ ضمن ذهنية تفكير وآلية عمل تقع خارج العلاقات المادية والثقافية والنفسية التي أنجزوها في المكان، ولهذا يتم تلقي هذا الفعل بمزاج معادي كونه يُصدع استقرارهم، ويدفعهم ذلك لمحاولات متكررة لإعطابه، سواء عبر التشكيك في جدواه وفكرته. أو ذمه قبل تحققه. أو إثارة الفزع من عواقب - دينية أو اجتماعية وحتى طبيعية كالزلازل والأعاصير وموجات المد البحري الكارثية - سيُحدثها كجزاء لهم. أو تدميره - إذا أمكن - في حال انجازه ضمن مجموعة من المبررات تتكثف أهم أفكارها في عدم أحقية أي فرد أو جهة بإحداث تغير في شيء ليس له، أو ليس من صنعه. باعتبار ذلك تصرف لا يحترم الحكمة من كون تحقق قيمة الأشياء والفائدة منها - بالنسبة للبشر - هو من بقائها فيما هي عليه، كما قرر لها صانعها الأول، باستثناء التصرف فيها ضمن حدود مصلحة بسيطة، وليس في إطار الترف أو التكلف أو الضرورات التي يُحدثها تفكير مختلف وغريب. وأن أي إضافة غير ضرورية أو متكلفه هي تعكير لصفو الجمالية التي فطرت عليها وظائف الموجودات، واختارتها عناية متعالية تُدرك ما يجب أن يستمزجه البشر، وتُجنبهم ما يُضيرهم.
ويحمل هؤلاء الأفراد الذين ينتمون لأي بيئة فقيرة بصرياً ويغلب عليها مُعطى الفراغ، تصور ثابت ونهائي لما يجب أن تكون عليه الأمكنة، ووظائفها، وطبيعة العلاقات الثقافية والجمالية والحقوقية التي يجب أن تُحدث فيها، لكي تكون ملائمة وصالحه وخيره. وينقلون هذا التصور بشكل دائم إلى أي مكان جديد يذهبون إليه، ويبدءون بمحاولة فرضه وتعديل المكان الجديد ليتفق مع ما استقروا عليه، وأن عجزوا عن ذلك فهم يقيمون فضاء خاص بهم، ومغلق عليهم فقط، ومعزول بشكل ضمني أمام أي تبادل ثقافي - إلا ضمن الحدود الدنيا التي تفرضها احتياجات الضرورة - مع الفضاء الأوسع للمكان الجديد، يعيدون فيه أنتاج العلاقات الثقافية والجمالية والحقوقية والنفسية ذاتها للأمكنة التي قدموا منها، وبصيغة أكثر تشدداً مردها إحساس عالي بتهدد هويتهم.
إن التعبيرات المتطرفة خصوصاً في بعدها الديني المُعادي للثقافة الحديثة، والتعاقدات الحقوقية المتقدمة، والتعبيرات الجمالية الجديدة بحساسيتها المختلفة، تُدين في جزء كبير من أسباب تشكلها إلى حضور الفقر البصري الشديد كصفة تمييز للأمكنة التي أنشأت جذورها الأولى فيها، وهو الأمر الذي لا يُتيح الفرصة لتطور أي حساسية جمالية تقع خارج الانفعال الأولي البسيط والمباشر لدى أفراد هذه الأمكنة كي تصقل انفعالاتهم وتُلطفها، وتُنمي لديهم سلوكيات أكثر رقي ونعومة، وبالتالي تتعزز لديهم صفة القسوة والحدة، و تحضر ردود الأفعال الجلفة كلازمة تُميز انفعالهم بالأشياء أو علاقتهم بالأحداث، ويغلب النفور على الطبع. و يعمل أيضاً حضور الفراغ كمعطى فيزيائي غالب في هذا الأمكنة على تمرين الذهنيات فيه على التعاطي باستمرار مع عناصر ثابتة ومستقره دون أي إثارة متوقعة، وبالتالي تعزيز جمودها، وسلبها القدرة على التفاعل الايجابي مع المختلف، والاصطدام بالجديد لخشية التعامل معه. ويُحرضها أيضاً على التعاطي الكسول مع الأفكار أو الحقائق، والميل إلى البسيط والمباشر منها، والتعلق اليقيني الشديد بها، ومعاداة الأشكال المعقدة منها التي تُشعرهم ضمنياً بتواضعهم. ويعزز كل ذلك الميل الجماعي لديهم إلى تفويض عقل واحد يتكثف فيه نموذج تفكيرهم وانفعالهم البدائي، وعلاقاتهم الثقافية المُفرغة من أي بعد جمالي، وميلهم العنفي في حماية هويتهم، وتسويق أفكارهم، ومعاقبة خصومهم. كي يُفكر عنهم ضمن تعاقد معه يكفل فيه الأفراد التسليم بمقولات هذا العقل المفوض، وعدم نقاشه، وردع الخارج عن قراراته ونواهيه. ويكفل فيه هذا العقل الشمولي المزاج تهدئة مخاوف الأفراد، وضمان اطمئنانهم النهائي، ومنح سلوكياتهم وأنساقهم الحياتية والثقافية مبررات كافية تلتهم مخاوفهم من أي عواقب لها، بل وتعزز من عناصرها البدائية الجلفة عبر التأكيد على ما يُفترض أنها تحمله من تمييز إيجابي لهم عن الأخريين.
نشرت في موقع الحوار المتمدن
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=67850

الثلاثاء، 2 مايو 2006

الاحتفاء بالمكان الخطأ


* ماجد المذحجي
يُتيح الاحتفاء بالمكان امكانية التشويش على عملية تفحصه والتمعن في علاقاته ومجموع ما يتكون منه من عناصر ثقافية وماديه تشكل في كليتها سماته العيانيه المُشاهده والمفروزه في واجهة التلقي المباشر، فالاحتفاء صيغه مُقابله بكثافه للضجيج، وتُمعن في تعليق الرؤية عند حدود السطحي بكل مايلقيه عليها من ثقل يعطل نفاذها إلى المستور بكل ماهو عليه، الثقل الذي يعطل على الرؤية امكانية أن تتحسس ما لايُراد أن ينقل عن المكان، ويُمكن الاحتفاء من انتقاء مايُحبب ان يُضاء ويُشاهد.
الاحتفاء بصنعاء كعاصمه للشعر الجديد كان ضجيجاً عطل امكانية تفحص المتاح في صنعاء كمكان يستوعب هذه الصيغه الملحق بها، وتفحص موقع الشعر الجديد ذاته من فكرة اقامة عاصمة له!!. المربك أولاً في شان كهذا انه يجب عليك التخلص من عبء السعاده كفرد من المكان ذاته، وتبني منطق وزاوية نظر متخففان بشده منها، فضمناً يسترخي الفرد اليمني - وهذا ينطبق عليّ بواقع الحال - لكون صنعاء صارت عاصمه ذات حضور اقليمي حتى ولو عاصمة " للشعر الجديد!! " كجزء من عملية تأكيد ذات مسحوقه توفر لها هذه العنونه العريضه انتصاراً يرفع من اعتزازها في مقابل الاخر في العواصم العربية الاخرى.
تُضمر صنعاء المحتفى بها خلف الواجهة المعماريه الجماليه المتميزه المروج لها جيداً مجموعة انساق ثقافية واجتماعيه معادية بشده لمجموعة القيم شديدة الحداثة التي تستبطنها مفاهيم كالشعر الجديد والكتابة الجديدة، فهي عاصمه تُكثف اليمن كبلد محافظ ونافر من التعبير المدني، ومعادي للحريات الشخصيه، ومقسور على هامش حرية سياسيه واعلاميه تُخنق كل يوم. بالاضافه إلى تكريسها لقيمة الجماعيه ( القبيله، المذهب، النسب.. الخ ) كتشكيل تنبني في اطاره الوحدات المكونه للمجتمع ويتحدد حضور الافراد ومواقعهم في المجتمع بناءاً على موقعهم التراتبي في الوحدة الاجتماعيه التي ينتمون إليها. وهي قيمه يُعادي الاعتزاز بها حضور أي تعبير فردي نافر من نسقها الثقافي وسلوكياتها الاجتماعيه. وهو عداء فعلي يتجاوز ضرب الادانه الصامته ليأخذ تعبير مُشهر قد تكون ابسط مستوياته العنف اللفظي المتكرر والتواطئ الجماعي على التشهير والنبذ، إذا لم يتجاوز ذلك إلى اباحة الدم والاعتداء المادي المباشر!!.
صنعاء المكان المحتفى به كعاصمه للشعر الجديد الذي تنبني احد اهم القيم التي يستبطنها على تأكيد ذات الفرد عبر تأكيد اطلاقية حريته لم تُفسح مساحه اوسع قليلاً للنساء اللواتي لايرتدين الحجاب، أويتأخرن في السهر خارج المنزل، أو يدخن. ولا للرجال الذين يحلقون شواربهم، ويفضلون ارتداء " بناطيل الجنز " على " القميص و الجنبيه "، والغناء بصوت مرتفع دون القاء البال على رصانة مفترضه. هذا إذا تجاوزنا انعدام المساحه الكلي لمن يتناول المشروب مثلاً!!.
لايمكن ابداً تجاوز تفاصيل كهذه حين ايرادنا لمكان باعتباره حاضن للشعر الجديد او الكتابه الجديده، فهما تعبيران ثقافيين يتصلان بشده بنسق اوسع من التطورات المعرفيه والاجتماعيه والسياسيه تشكل بمجموعها البيئه اللازمه لحضورهما، فالتأكيد على الحقوق السياسيه والتمكين الاقتصادي للكيانيات الصغرى في المجتمع ( الطفل، المراة، الاقليات.. الخ ) مسألة شديدة الالتصاق بقصيدة النثر مثلاً، فلا يمكن التأكيد على حقوق الذات الفرديه في التعبير الشعري دون حضور خلفية التأكيد على حقوقها في التعبير السياسي مثلاً، وتمسك المرء بحقه الفردي في التصويت والاقتراع بمعزل عن الاختيار الجماعي هو في جوهره يتصل بتمسك الشاعر او الكاتب في التعبير الكتابي الحديث بفكرة تأكيد صوته الخاص بمعزل عن مرجعية الجماعه او الاباء او الشكل. إن التطورات الديمقراطيه بصيغتها الليبراليه التي تعصف بالعالم ، والتطورات العلميه، وتسارع ممكنات الاتصال الانساني، وسيولة المعلومات، يسرت امام الانسان المعاصر تفكيك مواقع تركز الشموليات السياسيه والاجتماعيه، والاحتكارات الجماعيه، واتاحت للفرد التفكير الحر، والتخلص من رعب المؤسسات والرقابه، وخلق شبكة علاقات غير مسيطر عليها ضمن منطق جماعي. كل ذلك كان البيئه الحاضنه التي تشكلت في اطارها التعبيرات الكتابيه الحديثة ومن ضمنها الشعر الجديد الذي يُفترض بان تكون العاصمه العربيه له صنعاء، المدينه التي مازلت تقع خارج كل هذه التطورات التي تجري في العالم والتي يُستلزم تواجدها لحضوره " أي الشعر الجديد ". وهي لا تقع خارجها بحياد بل تعاديها وتسترخي ضمن موقعها الشمولي شديد المحافظه على الاصعده السياسية والثقافية والاجتماعية. هذا إذا تجاوزنا بالاساس ان صيغة عاصمة للشعر الجديد ذاتها غريبة ومتناقضة، فهي صيغة تتناسل من موقع في التفكير يؤكد على المركزية والسيطرة والصوت الواحد الذي يُستعاض به عن التعدد في الاصوات، وهي افكار لا تتلائم مع هذا النوع من الكتابة الشعرية الذي يحضر في التناثر، والعداء للمراكز، والمرجعيات، والمقولات الموحده!!.
كل اشكاليات التناقض بين صيغة الاحتفاء المرفقه قسراً بالمكان والشعر الجديد بكل حريته كان لابد أن تبرز على السطح، فكان طبيعياً أن ينفر بعض الشعراء من فكرة الالقاء الجماعيه التي تنفي الخصوصية وتموه الصوت ضمن الجماعه، ومجاورة نصوص شعريه خطابيه تحتفي بالرمزيات الدينيه او السياسية أو الاخلاقيه وتكرس التعاقدات القائمة، بنصوص تنشغل بالصوت الداخلي والتفاصيل وتتنكر للإجماعات بل وتميل إلى السخريه منها هو وضع غير طبيعي، يؤدي في واحده من نتائجه إلى الاحتقان،كذلك الذي حدث بقصيدة علي دهيس التي انشغلت باعادة تعريف جمالية للرمز الديني الاكثر قداسة، وقصيدة اكرم عبدالفتاح بهجائيتها السياسيه العاليه لرموز النظام، وهي قصائد - وأن تم الاختلاف عن قيمتها الجماليه وموقعها من العلاقات اللغوية الحديثة التي يحضر عبرها الشعر الجديد - فانها تنتمي لمزاجه الحر الذي يميل إلى تصديع الاجماع وشرخ اطمئنانه.وان ما استتبعته هذه القصائد من تداعيات تمثلت بتكفير بعض الشعراء، والقيود على مشاركة وحركة البعض الاخر، والغاء تكريمهم في هذا الملتقى لأنهم خرجوا عن مُايفترض أن يكون سقفاً حدده الراعي المستضيف (تستبطن ضمنياً فكرة الراعي لملتقى الشعر الجديد سخرية شديده من الشعر الجديد ذاته، وتُفصح عن مقدار المسافة الهائل الذي يُبعد بين صنعاء كمكان محافظ وثقافة تقليديه والشعر الحديث كرديف للحرية ومعادل للثقافة الانسانية الحديثه ). لقد كان من الطبيعي فعلاً ان تستدعي التناقضات في هذا الملتقى تفعيل عنف كامن منذ البداية يتوجس ضمناً من هكذا جمع من البشر الذين يُشهرون عدم التزامهم بالحدود والتعاقدات المُقره والمتعارف عليها ضمناً.
كان الاحتفاء بصنعاء كعاصمة للشعر الجديد في الملتقى الاولى الذي انعقد قبل سنتين بمناسبة اعلان صنعاء عاصمة للثقافة العربية يكتنف ضجيجاً اكثر لانه يجاور بين هذا الاحتفاء الصغير واحتفاءات متعدده ومستمره بذات المكان موهت على المشكلات التي رافقته، ومارست تعطيلاً متواصلاً للنظر في هذا الموقع الذي وضع فيه المكان. بينما في الملتقى الثاني فان الضجيج اقل قدراً، والتناقض افصح صوتاً واعلى، واستدعى قدراً من الشراسه في الرد على من خرجوا عن الحدود التي يحتملها المكان ولم تمتصها الحماية التي يقدمها - لمن خرجوا - فعل الاحتفاء الراهن الذي يوفره شعار صنعاء عاصمة للشعر الجديد، والتي كانت اقل قدراً واقل استيعاباً للتناقضات من تلك الحماية التي توفرت لهم سابقاً في احتفائية واسعه يستبطنها شعار مثل شعار صنعاء عاصمة للثقافة العربية!!.
إن حاصل ضرب صنعاء بالشعر الجديد لايرتب الخفه والود كحاصل مفترض لجماليات المعمار في الاولى وحيوية وحرية بناء وعلاقات الثانية، بل يكون الناتج هو الثقل لتمكن تشوه المكان وانعدام الحرية من صنعاء، وحضور النزق كطابع غالب للشعر الجديد وتمرده على قوالب الامكنة والافكار الضيقة.

السبت، 8 أبريل 2006

امرأة تستطيل كغيمة على رجل الكوتشينة


ماجد المذحجي
"قراءة في معرض سعد يكن دمشق 2006)

( 1 )
جمجمة مرخيه على كف
كيف يمكن أن ترخي رأساً بأكملها على كف معروقة دون أن تخشى من أن تطير حمامه مُربكه.. لن تكون التفاصيل التي ترشح من خطوط الكف متوازنة تماماً مع منحنيات الرأس، سينفر صوت ما قرب هذا الحنين العالق بين الكف والجمجمة.. سيكون مرتجفاً كفاية، وساخناً كفاية، لدفعك للامساك بقدحك كي لا تنبت له أجنحه ويفاجئك بالطيران.. ربما هذا ما يدفع النادل دوماً لكي يملا الطاولة بأكثر من قدح، فكلما أرخيت جمجمتك على كفك انتفضت للأقداح أجنحه وطارت بعيداً عنك. سيستدير جسدك حتماً.. ستفسح مكاناً للهواء من خلف كي ينقر ظهرك الشاسع، لن تلتفت كي لا تنبت شجره بين عينيك، ستكتفي بجمجمتك مركونة على كفك.. ستحرس أقداحك و ستخاتل الصمت بإيقاظ أطفال الحنين، واختلاق أسباب كافيه للإصرار على التواعد يومياً مع أوقات خاسره تنتظرك حيث أنت تماماً، وتحرس ظلالك كي لا تنام على هذه الطاولة. الشيء الراكد لن يكون أنت..

ثمة ذكريات ميتة تتنازعها أنت وجارك على الطاولة الأخرى.. هو سينتخب للضجر عروساً.. سيكايدك بأوقات عطنه أفلتت من كُم قميصه لتستيقظ قرب منامه كل يوم وتذكره بأنه انتصر عليك ولم يرخي جمجمته على كفه كما تفعل. سَتُذكره عروسة الضجر أن تكرار هذا مضجر للغاية بأكثر من احتمالها. سيتأكد من هذا.. سيلتفت إليك خلسة وهو يرفع قدحه بخفه كأنه يرفع فستان صبيه تواعد بهجتها لأول مره.. سيطمئن بان جمجمتك مازالت مرتخية على كفك، وان هناك سعادة سريه مضاءة بداخله بسبب ذلك.

( 2 )
كمن ينشر حنيناً على حبل غسيل

هل يا ترى يبقى ما يكفي في الرجل حين ينشر حنينه على حبل الغسيل، وبقايا ميتة من الحزن تقطر منها.. لن يتبقى ما يكفي لجعل الرأس المخدوشة من منتصفها بتخطيط اسود موجوع تستدير لتفتش خلفها. ستكون هناك جثث مشوشة تنبت من ذلك الحنين.. تتنفس غيابك القريب، ستغلق العينين على نصف الضوء، وقبل أن يأكل الرمادي ما تبقى من الانتباه ستعقد أصابعك كي لا يفلت ارتجافك.
هذا الحبل سيصبح طريقاً للمجرة.. وذلك الحنين المُعرض لغيابك سيصبح مداراًَ لذكريات تشكو ومن ثم تموت.........

( 3 )
امرأة تستطيل كغيمه على رجل الكوتشينة

لا تنبت الفتيات مؤخراً من أحزان المقاعد في الحدائق، تلك التي يخلفها العشاق خلفهم وحيده.. إنهن ينهض أيضاً من مقاعد المقاهي كي يتسللن إلى أوراق الكوتشينة، يشبه الأمر التالي: رجل يجلس على مقعد في مقهى مزدحم قرب طاولة دائرية صغيره تتسع بالكاد لصفين من ورق الكوتشينة، وامرأة تنبت من فراغ الكرسي الخلفي لتصبح غيمه تظلل الرجل ذاته. هل يا ترى سيكون الأمر متعلقاً فقط بالتلصص؟؟. ثمة رجل مفقود في المشهد السابق. لنركب المشهد من جديد: رجلين يلعبان الكوتشينة، كل واحد منها يقعد إلى طاولة مستقلة، هناك رهان يستطيل كنفق سري بينهما. امرأة تنبت من المقعد المجاور للرجل الذي يقعد في الصف الخلفي.. تتحول إلى غيمه بثديين، وتستطيل حتى ترى أوراق الكوتشينة التي تخص الرجل في الصف الأمامي!!.
إذاً......
كيف يمكن تبرير وجود امرأة في محلات عامه؟، تتحول إلى غيمه لتتلصص على رجل يلعب الكوتشينة بشكل جيد، ولذا هو لا يبالي، بينما صديقه الذي يقعد في الخلف يبالي، ويغمض عينه لأنه سيخسر الرهان؟؟!!. تكون المرأة في كل ذلك سر الخاسر.. الغيظ حين يصبح جسداً بأطراف أنثوية ناعمة فقط.

( 4 )
سيجمع الرجل كل ما يخصه بخلفيه زرقاء

ماذا يفعل الرجل حين تصبح أطرافه هي مفاتيح الحياة.. يحتاج المرء إلى زرقة كافيه كي يفعل ذلك دون ارتباك حتى لو كان شارداً. بين الأصابع يمكن أن تكمن نجمه تمرر سخونتها إلى خيط ما، خيط ساخن يتحول إلى فستان ترتديه امرأة ذاهلة.. امرأة ستوقظ كل الأزرق المختبئ في قلوب الرجال ذات مره!!. ألا يشبه ذلك ما نفعله ونحن شبه نائمين.. نحني الرأس قليلاً باتجاه الكتف ونغرق في ارتخاء مدهش لنستيقظ في أحلام ترقص، لا شبه بين التفصيليين سوى أن الخلفية في كلا الحالتين زرقاء. نحتاج للأزرق كي نصحوا أو نعيد تجميع الأشياء.. كأننا نقوم بفتل الخيوط جوار بعضها لنصنع شبكه ونصطاد أوهام ساخنة نقذفها دوماً حين نصحو ، ونطاردها كلما كانت الخلفية ورائنا زرقاء اللون.

( 5 )
ذراع ما تنهب جمجمتي أو ربما رجل يلتصق بها

تسحب ذراع ما شيئا من جمجمتك.. ألا يبدو هذا مفزعا كفاية؟، خصوصا حين تقابل كل هذا بلامبالاة مطمئنه للغاية.. أو غبية للغاية. لن تحاول أن تتجنب ذلك.. سترتخي حتماً كلما كررت تلك الذراع ذات الكف البشعة والأصابع القاسية المرفقة بها سحب تلك الأشياء من جمجمتك. هل أنت تسال نفسك أم ماذا؟؟. كأن لامبالاتك هنا متعلقة بالسؤال الصعب: يا ترى ما هو الشيء المهم في جمجمتي والذي يمكن أن يجعلني ارتخي هكذا كلما تمت سرقته بهذه الطريقة؟؟؟. يبدوا الأمر أيضاً كأن هذه الذراع تستحيل إلى رجل بقوام كافي لكي يشغر بدله أنيقة ويرتدي كرافتة مخططه. ثمة رجل ما ينمو بداخلك ويتسلل من جمجمتك ويلتصق بها من فوق.. يحتل الحيز المخصص لظلك فتمتلئ باعتداد كافي لكي تشعر باللامبالاة وأنت تطيل النظر نحو الأعلى.

( 6 )
سيهتز قلب ما، حين تنقر أغنيه ما، في توقيت ما، حنيناً ما.....

ماذا تخلف الموسيقى في الهواء غير أن تترك ثقوب الحزن التي تدل عليها الكحول والأفئدة المكسورة!!. ياااه، كم يبدوا هذا ساخراً حين يرتكبه رجل يرتدي طربوش ويخبر الجميع أن هناك طرق سريه نحو الغياب المؤلم. هناك أشياء يمكن أن نُشيعها بصمت نحو الصمت، ولكن هذا مالا يمكننا أن نفعله حين نكون مشدودين نحو هاوية عارية. يمكن دوماً لرجل يرتدي طربوش أن يُلصق صوته بالأبواب والنوافذ والروح.. أن يثقب الأوردة ويوصلها بكهرباء مجنونه تُعادي كل ذلك البرد الذي ينام في الدم.

( 7 )
رجلان يذوبان في حدود اللون

الأجساد المتكئة على طاولات حمراء هي الوحيدة التي تستطيع النزاع دون إحداث جلبه.. لاشيء سيكون مهما بقدر عدم تجاوز الخلفية المقسومة إلى لونين متزاحمين، لا يتعلق الأمر هنا بانقسام أيديولوجي بل بطيور أوقعت أصواتها هنا وهناك!!. الجسدين المتنافسين بأحداقهما المتسعة يتضاءلان تماماً ويذوبان في زحمة الألوان، فكل شيء يجب أن ينتظم في اللون، فهو ترسيم لأصوات النفير العميقة التي تتسلل من الأدمغة والروح. ثمة جنون يصير شجره.. ثمة ألوان تصير حدود.. ثمة أيضاً أطراف مقصوصة لأنها تنزهت قرب المسرة ولم تنتبه للمصائد.............

نشرت في موقع ألف لحرية الانسان والكتابة
http://aleftoday.info/node/3882